ألوف المتظاهرات والمتظاهرين، الذين ربما يصل تعدادهم لبضع عشرات من الألوف، رفعوا عصر اليوم الصوت والموقف والمطلب بوقف حرب الابادة الاجرامية على قطاع غزة، وقف التجويع الهمجي ووقف كل سياسة الحرب الدموية التي تنتهجها حكومة الفاشية الاسرائيلية.
بضمائر حية والتزام وطني وإنساني جاء المشاركون من مختلف بلداتنا العربية ومعهم أعداد محترمة من المتظاهرين والمتظاهرات اليهود التقدميين، الشركاء في الموقف والحاضر والمستقبل. بالعربية وبالعبرية كان الصوت مجلجلا ضد حكومة بل مؤسسة الحرب والعدوان ورفض الحلول السياسية والتعنت على السلوك بغطرسة دموية.
حمل المشاركون شتى اللافتات التي تعكس مطالب المظاهرة، وهم يهتفون الشعارات بهذه الروح. وبرز صوت قرع الطناجر وادوات المطبخ المختلفة في اشارة غاضبة الى جريمة التجوبع.
كانت تتواجد قوات كبيرة من بوليس بن غفير المجهزة بمختلف ادوات واليات البطش، الا انها لم تستخدمها امام هذا البحر الهادر من المحتجين من أجل غزة وسائر شعبها.
في ساحة البلدية بدا المشهد لوقفة كفاحية جبّارة هي الأكبر منذ شن الحرب الوحشية على غزة. وانتهت المظاهرة بكلمات سياسية لكل من رئيس بلدية سخنين واللجنة القطرية للرؤساء العرب، مازن غنايم، ورئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، بالإضافة إلى كلمة للمحاضرة والباحثة د. عنات مطر ورافضة الخدمة العسكرية، ايلا كيدار.
وقد حيت "شراكة السلام" التي بادرت إلى المظاهرة المتظاهرين ولجنة المتابعة وكافة الأطر والحركات السياسية والاجتماعية التي دعت لإنجاح المظاهرة. وأكدت شراكة السلام أن: "مظاهرة اليوم التي شارك بها أكثر من عشرة آلاف متظاهر بينهم المئات من اليهود هي خطوة بالاتجاه الصحيح كونها تسهم بكسر حاجز الترهيب والقمع بحق المواطنين العرب من جهة وحواجز العزلة بين العرب والقوى التقدمية اليهودية المناهضة للاحتلال، وسنواصل النضال حتى تنتهي هذه الحرب الإجرامية." وتدعو شراكة السلام الجمهور إلى متابعة النشاطات القادمة على صفحاتها مؤكدة إصرارها على تصعيد النضال.
تولى العرافة الشاب حسين حلاج عن اللجنة الشعبية في سخنين ورونيت حاييموف من حركة "شراكة السلام" — وهي ائتلاف عربي-يهودي يضم أكثر من 60 حركة ومنظمة تناضل من أجل إنهاء الحرب والاحتلال وتحقيق السلام العادل. وشدّد حلاج في تقديمه على رمزية سخنين كمدينة الأرض والكرامة، وعلى أهمية هذه الوقفة الوحدوية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، مشيدًا بالجموع العربية واليهودية التي جاءت لتكسر حاجز الخوف وتُسمع صوت الضمير.
أما رونيت، وهي عاملة اجتماعية، فقد قالت في كلمتها إن التاريخ يُلزمنا بعدم الصمت على المجازر والتجويع، مؤكدة أن هذه الوقفة ليست مجرد احتجاج، بل موقف أخلاقي مشترك لا يقبل الصمت أو المساومة.
بركة: لن تُرهبونا. لن نتنازل عن هويتنا
بركة يدعو الى اعلان قيام دولة فلسطينية تحت الاحتلال
في اختتام المظاهرة الحاشدة في سخنين، قال رئيس لجنة المتابعة العليا، محمد بركة، في كلمته القوية: "نحن هنا لنقول كلمة واضحة وقاطعة ضد الإبادة الجماعية، وضد التطهير العرقي، وضد سياسة التجويع الممنهجة التي تمارسها حكومة الاحتلال في قطاع غزة."
وتساءل بركة: "لماذا هذا الحشد الكبير من عناصر الشرطة؟ لماذا هذه الترسانة من الجنود والعربات؟ فقط لأننا خرجنا بمظاهرة عادية نقيمها منذ عقود طويلة، تعبيرًا عن موقفنا وهويتنا وانتمائنا. لكننا نؤكد: لن تُرهبونا. لن تسكتونا. لن تمنعونا من رفع صوتنا ضد الظلم ومن أجل كرامتنا الوطنية."
وأضاف بركة: "نحن جزء لا يتجزأ، ولا ينفصل، من الشعب الفلسطيني. ولن نتنازل تحت أي ظرف، ولا تحت أي إرهاب، عن هويتنا الوطنية. نرفض أن يكون التفريط بالهوية مقابل ما يسمى بالمواطنة. مواطنتنا نابعة من انتمائنا لهذا الوطن، ومتجذّرة في أرضنا، وليست منّة من أحد."
وفي تحية مؤثرة، قال بركة: "من هنا، من سخنين العز والكرامة، نرسل تحية حب وفخر للأطفال في غزة الذين يكابدون الموت جوعًا، ولأسرهم الصامدة، ولأهلنا في سجون الاحتلال. وحدهم المجرمون هم من يحوّلون لقمة العيش إلى سلاح سياسي. لم نرَ مثل هذا الإجرام إلا في حقب النازية، هذا فصل مظلم من تاريخ الإنسانية."
وشدد بركة على أن غزة، رغم الجراح والدمار، ستنتصر: "رغم فداحة الثمن، إلا أننا على يقين أن غزة ستنتصر. كانت تسمى فلسطين، وصارت تسمى فلسطين. ولن يغيّر هذا أي احتلال."
ودعا بركة إلى خطوة سياسية في مواجهة محاولات الضم والسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، قائلًا: "في مواجهة مشروع الضم والتوسع الاستيطاني، نطالب بالإعلان عن قيام دولة فلسطين ذات سيادة تحت الاحتلال. لأن هذه الأرض، في الضفة والقدس وغزة، هي أرض فلسطينية، ويجب أن ينصرف الاحتلال عنها فورًا."
وختم بركة كلمته برسالة تحدٍّ وأمل: "نحن نرى اليوم استمرارًا لسياسة الملاحقة والتجريم بحق أبناء شعبنا. لكننا نقولها بثقة: لقد عبرنا النكبة، ومررنا بالحكم العسكري، وعشنا يوم الأرض، وخضنا هبة القدس والأقصى، وهبة الكرامة. وسنعبر هذه المرحلة أيضًا، وسنخرج منها أكثر قوة وتمسكًا بهويتنا وحقوقنا الوطنية."
(سننشر النص الكامل للكلمة لاحقا بشكل مستقل)
رئيس بلدية سخنين، مازن غنايم، طالب في كلمته بوقف الحرب والتجويع في غزة، وقال: "نقولها بوضوح: نحن وشعبنا في غزة شعب واحد، ونطالب بمساواة وحقوق مدنية لا المزيد من الأسلحة".
وقال: "نتنياهو يريد شرق اوسط جديدا، ونحن ايضا نريد شرق اوسط جديدا، ولكن ليس كما يريده هو بل كما نريده نحن، هو يريد قبة حديدية عسكرية ونحن نريد قبة حديدية انسانية".
د. عنات مطر: الاحتلال يدمّر جامعات غزة، لكنّه لن يهدم إرادة المعرفة
وتحدثت د. عنات مطر، في كلمتها، ممثلة عن منظمة "أكاديميون من أجل المساواة"، التي تضم ما يقارب 800 أكاديمي وأكاديمية وطلاب من مختلف الجامعات والكليات في إسرائيل، عن التدمير الممنهج الذي يتعرض له قطاع التعليم العالي في غزة، في إطار حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل.
وقالت إن المنظمة، منذ السابع من أكتوبر، تقف بوضوح ضد الحرب والاحتلال، وتنشط في حملات داخل الحرم الأكاديمي دعماً لوقف إطلاق النار، ورفضًا للتجويع، ولتحرير الأسرى، لكنها أقرّت بأن حجم التدمير والاستهداف تجاوز كل التوقعات. وأردفت: "رأينا مدنًا تُمحى، مستشفيات تُقصف، وأطفالاً يموتون جوعًا، لكن أحدًا لم يتخيل أن تصل البربرية حدّ الإبادة الكاملة للجامعات واغتيال الأكاديميين."
وسلطت الضوء على رسالة مفتوحة وجّهها رؤساء ثلاث جامعات في غزة – الجامعة الإسلامية، جامعة الأقصى، وجامعة الأزهر – والتي تمّت ترجمتها وتوزيعها دوليًا، وفيها كتبوا عن الإبادة المتعمدة لمؤسسات التعليم العالي: كل الجامعات تم تدميرها بالكامل، العشرات من أعضاء الهيئات التدريسية قُتلوا، والمكتبات، المعامل، والمباني الأكاديمية سُوّيت بالأرض. رغم ذلك، جاء في الرسالة: "جامعاتنا لا تموت. نحن لسنا جدرانًا، بل مجتمعًا أكاديميًا حيًا، نابضًا بالإرادة والمعرفة، متمسكًا بالأمل والحرية الفكرية."
وشددت مطر في ختام كلمتها: "ما يجري في غزة ليس فقط مجزرة بالجسد، بل أيضًا محاولة لاغتيال العقل الفلسطيني. لكن كما أثبتت التجارب التاريخية، فإن الشعوب لا تُهزم ما دامت تحمي ذاكرتها الجماعية، وكرامتها، وحقها في المعرفة."
الرافضة إيلا كيدار: هذه محرقة غزة
إيلا كيدار التي رفضت الخدمة العسكرية والتجنيد في جيش الاحتلال قالت في كلمتها اللافتة: "غزة تُمحى من على وجه الأرض، مدن عريقة عمرها آلاف السنين تُسوى بالأرض، شريط كامل بلا بنية تحتية مدنية، ملايين تحولوا إلى لاجئين، وأكثر من 100 ألف إنسان قُتلوا جراء القصف وإطلاق النار وتدمير البنى التحتية بشكل متعمد، تحت رعاية النظام الإسرائيلي والإدارة الأمريكية، وبأيدي “جيش الإبادة”. إن محرقة غزة تجري على بُعد كيلومترات قليلة من هنا. التطهير العرقي في الضفة الغربية يزداد سوءًا. قبل أيام قليلة مرّ في الكنيست قرار يدعو إلى ضمّ الضفة الغربية، وهذا بالطبع ليس أمرًا جديدًا؛ فالتطهير العرقي للفلسطينيين، وخاصة السيطرة التامة لوكلاء إسرائيل من مستوطنين وجنود على الضفة، هو سياسة واضحة ومستمرة منذ سنوات طويلة. السنوات الأخيرة لم تكن سوى مرحلة تمّ فيها ضخ مزيد من الموارد العسكرية والاقتصادية في مشروع التطهير. المزيد من القرى في مسافر يطّا، والأغوار، ووسط الضفة وشمالها تُقتلع من بيوتها وتُطهّر من أرضها، بعد عنف متواصل من المستوطنين والجيش، بهدف القضاء على مصادر رزقهم وتقليص حيّز حياتهم حتى المحو".
وأضافت: الفاشية ونظام الأبارتهايد يشتدان أيضًا في أراضي الـ48: قمع حقوق حرية التعبير والتنظيم لليسار والجمهور الفلسطيني، اعتقالات سياسية، حظر التظاهرات، محاولات متكررة للإقصاء والإبعاد ضد ممثلي الجمهور الفلسطيني واليسار العربي-اليهودي في الكنيست، وعلى رأسهم النائب أيمن عودة. كل هذا يخدم هدفًا واضحًا: نزع الشرعية ونزع الإنسانية عن جمهور كامل، التحريض على العنف ضد نواب ومواطنين، تطبيع العنصرية والعنف والدعوات للإبادة في الشارع، هدم البيوت والتطهير العرقي للبدو في النقب، وتقاعس متعمّد من شرطة إسرائيل وتواطؤ مع منظمات الجريمة، ما يؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا في المجتمع العربي. الاتجاه واضح: تصعيد سياسة المحو التي تنتهجها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، من غزة إلى الضفة، إلى الداخل، وصولًا إلى سوريا ولبنان. ومن أصغى لدروس التاريخ لن يفاجأ بأن هذه الفظائع يرتكبها بشر مثلنا، ممن سيقولون لاحقًا، كما قال من سبقهم: لم نكن نعلم، كنا ننفّذ الأوامر فقط، لم يكن لنا يد في ذلك".









