الطفولة في غزة: ما بين الصمود والحاجة لبرنامج شفاء مستدام

A+
A-
الطفولة في غزة (شينخوا)
الطفولة في غزة (شينخوا)

د. علي بدارنة، النيرو- سيكولوجي والمعالج النفسي بالهينوزا يقول لـ"الاتحاد": "البرنامج الشامل للدعم النفسي للأطفال في غزة يتطلب إنشاء مراكز متخصصة تقدم الدعم النفسي للأهالي والأطفال على حد سواء، حيث تُنفذ الجلسات العلاجية الفردية والجماعية بإشراف مختصين في مجالات علم النفس، علم الاجتماع، والعلاج بالفن واللعب، وغيرها من الأساليب التي تتناسب مع فئة الأطفال. يجب توزيع هذه المراكز في مختلف المناطق لتسهيل الوصول إليها من قبل العائلات"*

 

نحن نتعزّى بابتسامات أطفال غزة، التي تظهر لنا عبر الشاشات، تُبث إلى العالم كرموز للصمود والأمل، فيما نتنهد ونقول: "هم صامدون، مقاومون، وباقون". ومع ذلك، فإن هذه الابتسامات، التي تحمل في طياتها الأمل، تخفي وراءها جروحًا عميقة، جروحًا تشهد على مجازر مستمرة، وتشهد على رواية شعب لطالما حاولوا طمس تاريخه وعظمته.

هي جروح تتطلب خطة علاجية حقيقية ودعمًا ملموسًا يعيد الأمل، ليس فقط في المستقبل، بل في اللحظات الراهنة التي تتواصل فيها معاناتهم. إن هذا الصمود ليس إلا استجابة لواقع مرير يستدعي تدخلًا عاجلًا وفعّالًا.

الحروب تترك آثارًا نفسية وجسدية عميقة على الأطفال، حيث تعيش الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، مثل أطفال غزة، في بيئات مليئة بالمخاطر والمآسي. هؤلاء الأطفال يتحملون تبعات العدوان المستمر والحصار الخانق الذي يفرض عليهم صدمات متكررة، تؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية والجسدية. وعلى الرغم من هذه الظروف القاسية، يواصل الأطفال في غزة إظهار صمود ملحوظ، ويثبتون قدرتهم على التمسك بالأمل في غدٍ أفضل، يتمثل في حياة حرة ومستقلة ضمن دولة ذات سيادة.

ومع ذلك، فإن الأمل الذي يظهر في وجوههم عبر منصات التواصل الاجتماعي لا يعني أن معاناتهم قد انتهت أو أن احتياجاتهم قد تراجعت. إنهم في حاجة إلى دعم شامل ومتكامل، يتجاوز الكلام إلى أفعال حقيقية، تساعدهم على التعامل مع الصدمات النفسية والجسدية التي تعرضوا لها. يحتاج هؤلاء الأطفال إلى دعم نفسي طويل الأمد، يعزز قدرتهم على التكيف مع هذه الظروف العصيبة، ويتيح لهم المجال للتعافي والاندماج في المجتمع من جديد.

إن معاناة أطفال غزة تمثل مأساة جيل كامل حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية: الحق في الحياة، والحرية، والأمن. هذه المعاناة تقتضي تدخلًا عاجلاً من المجتمع الدولي، لا سيما في مجالات الدعم النفسي والاجتماعي، لضمان حصولهم على التعليم في بيئة آمنة، وتوفير الفرص التي تسمح لهم بتطوير أنفسهم في سياق من الحرية والكرامة.

إن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن زوال الاحتلال هو المفتاح الأساسي لتحقيق العدالة وضمان حياة كريمة للأطفال في غزة. ومع ذلك، وفي ظل عدم وضوح الأفق حول موعد تحقق هذا الهدف، يصبح من الضروري أن نركز على الأساليب الفورية التي يمكن أن تخفف من معاناة الأطفال وتساندهم في مواجهة الواقع القاسي الذي يعيشونه.

في هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء على الواقع النفسي الذي يعايشه أطفال غزة. فالحروب لا تترك آثارًا جسدية فحسب، بل تترك في النفوس جروحًا عميقة يصعب شفاءها. تقرير صادر عن مركز التدريب المجتمعي لإدارة الأزمات (CTC) كشف عن أن أكثر من عام من النزوح والقصف المتواصل قد ترك أطفال غزة يعانون من أزمات نفسية حادة. وأظهرت دراسة نشرتها صحيفة "غارديان" البريطانية أن 96% من الأطفال في غزة يشعرون بأن الموت وشيك، و92% منهم لا يستطيعون تقبل واقعهم المرير، بينما يعاني 87% منهم من الخوف الشديد، و79% من الكوابيس. هذه الأرقام تعكس حقيقة مريرة: أطفال غزة يعيشون في حالة دائمة من الرعب النفسي والجسدي.

تترك الحرب في غزة وراءها تداعيات نفسية عميقة تؤثر على جميع أفراد المجتمع، من الأطفال إلى البالغين. تتجسد هذه الآثار في مجموعة من التحديات النفسية التي تعكس الظروف القاسية التي يواجهها الغزيون.

أولاً، الصدمة النفسية تعد من أبرز هذه الآثار. يعيش الأطفال والبالغون تحت وطأة العدوان المستمر، مما يؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) الذي يشمل كوابيس، قلق دائم، وصعوبة في التكيف مع الحياة اليومية. الأطفال، بشكل خاص، يظهرون علامات خوف شديد وسلوكيات قهرية نتيجة لما مروا به.

ويؤكد تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية (2019) أن التعرض للصدمات الناتجة عن الحروب، مثل العنف والقتل والدمار، يزيد من حالات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بين الأطفال والبالغين. في غزة، يعد هذا النوع من الاضطرابات من أكثر المشاكل النفسية شيوعًا، حيث يعاني الأفراد من أعراض مثل القلق المستمر، الكوابيس، والعجز عن التكيف مع الحياة اليومية.

أما بالنسبة للاكتئاب والقلق، فإن البيئة المدمرة والمليئة بالصدمات النفسية في غزة تسهم في زيادة هذه الحالات. العديد من الأطفال يشعرون بالعزلة وفقدان الأمل في المستقبل، حيث يعانون من الحزن المستمر وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تجلب لهم السعادة.

دراسة نُشرت في المجلة الدولية للطب النفسي (2018) أظهرت أن الأطفال في مناطق النزاع يعانون من مستويات مرتفعة من الصدمة النفسية، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الاكتئاب والقلق. في غزة، يجد الأطفال أنفسهم محاصرين في بيئة مليئة بالعنف المستمر، مما يساهم في زيادة حالات الاكتئاب. الأطفال يشعرون بالعزلة وفقدان الأمل، حيث يُظهرون مشاعر الحزن المستمر وافتقارًا للأمل في المستقبل. وتشير دراسة قامت بها جامعة بيت لحم في عام 2020 إلى أن أكثر من 60% من الأطفال في قطاع غزة يعانون من اضطرابات نفسية بسبب الحرب المستمرة.

اضطرابات النوم تعد من المشاكل المنتشرة أيضًا، حيث يعاني الأطفال من الأرق والكوابيس المتكررة بسبب الخوف المستمر من الهجمات الجوية والبرية. هذه الاضطرابات تؤثر سلبًا على صحتهم العقلية والجسدية على المدى الطويل.

تقرير آخر صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) (2021) يوضح أن اضطرابات النوم هي إحدى التأثيرات الشائعة في الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع. في غزة، يعاني العديد من الأطفال من الأرق والكوابيس المتكررة بسبب الهجمات الجوية والبرية، ما يساهم في تفاقم حالتهم النفسية والجسدية. اضطرابات النوم تؤثر على القدرة على التركيز والتعلم، كما تؤدي إلى ضعف الصحة الجسدية على المدى الطويل.

إلى جانب ذلك، تؤثر الظروف القاسية على التركيز والتحصيل الدراسي للأطفال. فقدان البيئة المستقرة والآمنة يجعل من الصعب متابعة التعليم، مما يعوق تقدمهم الأكاديمي ويؤدي إلى تراجع في مهاراتهم التعليمية. من جهة أخرى، تظهر سلوكيات عدوانية لدى بعض الأطفال نتيجة العنف المستمر، في حين ينسحب آخرون عاطفيًا مما يزيد من شعورهم بالعزلة. هذه المشاعر السلبية تضعف علاقاتهم الاجتماعية وتزيد من انعدام التواصل مع الآخرين.

تُظهر العديد من الدراسات العلمية أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف بشكل مستمر يميلون إلى تطوير سلوكيات عدوانية كوسيلة للتعامل مع الصدمات النفسية. دراسة أجرتها جامعة بيرزيت في عام 2019 أظهرت أن الأطفال الفلسطينيين في غزة يواجهون صعوبات في تكوين علاقات اجتماعية صحية، حيث يعانون من مشاكل في التفاعل مع أقرانهم في المدرسة والمجتمع، مما يزيد من مشاعر الوحدة والعزلة. في بعض الحالات، يلجأ الأطفال إلى التصرفات المدمرة مثل تعاطي المخدرات أو التصرفات العدوانية كوسيلة للتعامل مع الألم النفسي، مما يزيد من تعقيد الوضع. الحرب أيضًا تؤثر على التفاعل الاجتماعي للأطفال، حيث يصعب عليهم تكوين روابط اجتماعية صحية مع أقرانهم في المدارس والمجتمعات، مما يعمق مشاعر الوحدة.

الحروب لا تؤثر على الأطفال فقط، بل تمتد تأثيراتها إلى الأسر. دراسة أجرتها جامعة ستانفورد في عام 2018 أظهرت أن الأسر في مناطق النزاع تعاني من ضغط نفسي هائل، مما يؤدي إلى اضطرابات في العلاقات الأسرية وفقدان القدرة على توفير الدعم النفسي الكافي للأطفال. في غزة، يعاني الآباء من التوتر المستمر مما يؤثر على قدرتهم في تقديم الدعم العاطفي لأبنائهم.

إن التحديات النفسية التي يعاني منها أطفال غزة تستدعي استجابة عاجلة وشاملة على المستويات النفسية، التعليمية، والاجتماعية. مع استمرار الحروب والضغوط اليومية التي يواجهونها، يصبح من الضروري أن يتم تقديم برامج دعم متكاملة ومستدامة تهدف إلى التخفيف من آثار الصدمات النفسية العميقة التي أثرت على حياتهم. عبر هذه البرامج، يمكن تمكين الأطفال من تجاوز محنتهم وبناء مستقبل أكثر إشراقًا.

وفي حديث مع د. علي بدارنة، النيرو- سيكولوجي والمعالج النفسي بالهينوزا، وفي سؤال حول الحلول العملية التي يمكن تنفيذها على أرض الواقع لتخفيف الاثار النفسية العميقة قال:

"إنّ البرنامج الشامل للدعم النفسي للأطفال في غزة يتطلب إنشاء مراكز متخصصة تقدم الدعم النفسي للأهالي والأطفال على حد سواء، حيث تُنفذ الجلسات العلاجية الفردية والجماعية بإشراف مختصين في مجالات علم النفس، علم الاجتماع، والعلاج بالفن واللعب، وغيرها من الأساليب التي تتناسب مع فئة الأطفال. يجب توزيع هذه المراكز في مختلف المناطق لتسهيل الوصول إليها من قبل العائلات".

وتابع: "المرحلة الثانية من البرنامج تشمل التدخل في المدارس، حيث يُعتبر من الضروري تنظيم ورش تدريبية للمعلمين وأولياء الأمور. يهدف التدريب إلى تأهيل المعلمين على كيفية التعامل مع الأطفال الذين قد يعانون من صدمات نفسية، بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي اللازم للمعلمين أنفسهم، حيث أنهم أيضًا قد مروا بتجارب صادمة. يساهم هذا في خلق بيئة تعليمية آمنة وداعمة للأطفال، مما يسهم في تحسن حالتهم النفسية".

وأضاف: "يجب تنظيم جلسات علاج جماعي وورش اجتماعية في مراكز ثقافية، دينية، مدرسية، ومؤسسات اجتماعية أخرى. توفر هذه الأنشطة فرصة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم، سواء بالكلام أو من خلال اللعب والرسم، مما يساعد في تفريغ الضغوط النفسية والتفاعل بشكل صحي مع الآخرين".

ونوه: "من الأهمية بمكان أيضًا تعزيز العلاج عن بعد للعائلات التي لا يمكنها الوصول إلى المراكز، عبر الوسائل الرقمية مثل الهاتف أو تطبيقات الفيديو مثل "زوم". هذا سيضمن حصول أكبر عدد من الأطفال والعائلات على الدعم النفسي الضروري، بغض النظر عن المسافة أو القيود الأخرى".

وأضاف: "أخيرًا، يجب التركيز على تأهيل أعداد كافية من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين من خلال دورات تدريبية مكثفة تركز على علاج اضطرابات ما بعد الصدمة. هذه الدورات يجب أن تستهدف الطلاب الجامعيين والعاملين في قطاع الصحة النفسية والتعليم، وتؤهلهم للعمل داخل المجتمع المحلي من خلال تقديم الدعم والعلاج المناسب لأطفال وعائلات ما بعد الحرب".

وفي سؤال حول الربط بين التأثيرات النفسية للأطفال في غزة وأثرها على مستقبلهم كمجتمع في المستقبل قال: "إذا لم يتم معالجة الصدمات النفسية والخوف بشكل فعال في وقت مبكر، فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير على القدرات التعليمية والأكاديمية للأطفال. من المعروف أن الصدمات النفسية والخوف يقللان من قدرة الطفل على التركيز والانتباه، مما يؤدي إلى ضعف استغلاله لقدراته الذهنية والتعليمية. وبالتالي، إذا كان الطفل يتوجه إلى المدرسة وهو في حالة صدمة أو خوف، فلن يتمكن من تحقيق الأداء الدراسي المطلوب. هذا قد يؤدي، في وقت قصير، إلى تسربه من المدرسة بسبب عدم قدرته على الاستفادة من الفرص التعليمية، مما يحرمه من بناء مستقبله الأكاديمي والمهني".

وتابع: "هذا التسرب المدرسي قد يكون بداية لانحرافات سلوكية في المستقبل، مثل الاندماج المبكر في سوق العمل، وهو أمر غير عادل لأنه سيحرم الأطفال من فرصة تحقيق طموحاتهم الأكاديمية والمهنية. لهذا السبب، من الضروري أن نولي اهتمامًا خاصًا للأطفال منذ وقت مبكر من أجل تجنب تداعيات نفسية قد تؤثر عليهم في المستقبل، مما يؤدي إلى الإحباطات التي ستؤثر على تكوين أسرهم وبالتالي على المجتمع بشكل عام، مما يزيد من حالات العنف وعدم الاستقرار".

وأكّد: "إذا لم يتم علاج الصدمات والخوف، فقد يصبح الأطفال أكثر عرضة لتبني أنماط سلوكية عنيفة أو عدوانية، حيث أن الأطفال الذين نشأوا في بيئة غير مستقرة وعنيفة قد يطورون سلوكيات عنيفة كآلية دفاعية لحماية أنفسهم من تكرار الصدمات النفسية".

بالإضافة إلى ذلك، عدم علاج الصدمات النفسية قد يؤدي إلى زيادة حالات الاكتئاب والقلق، مما يؤثر سلبًا على تكوين الأسرة والاندماج في المجتمع. وهذا بدوره يؤثر على جودة الحياة والقدرة على تحقيق الذات، مما يضعف قدرة الأطفال على بناء مستقبل مستقر وناجح.

 

الطفولة في غزة (شينخوا)

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

إضراب شامل في طمرة اليوم الثلاثاء احتجاجًا على العنف والجريمة والتقاعس الحكومي

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

بمبادرة النائب عودة: لجنة المالية تناقش رفع ضريبة الأرنونا في الناصرة وتوصي على التفكير مجددًا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·27 كانون ثاني/يناير

طقس الثلاثاء: انخفاض درجات الحرارة واحتمال لأمطار متفرقة غدا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·26 كانون ثاني/يناير

إيطاليا تستدعي سفير إسرائيل بعد الاعتداء على شرطيين ايطاليين تواجدا قرب رام الله بمهمة رسمية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·26 كانون ثاني/يناير

بناء على طلب النائب عودة: لجنة المالية تناقش رفع ضريبة الأرنونا في الناصرة وتوصي على التفكير مجددًا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·26 كانون ثاني/يناير

الجيش الأمريكي يعلن وصول حاملة طائرات "لينكولن" إلى الشرق الأوسط

featured
الاتحادا
الاتحاد
·26 كانون ثاني/يناير

ممثل الدولة أمام العليا: فتح معبر رفح لا يعني السماح بدخول الصحافة إلى غزة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·26 كانون ثاني/يناير

نعيم قاسم: حرب على إيران ستشعل المنطقة ولنا الصلاحية بالتدخل