المراسلة الحربيّة في "سي إن إن": الخوف في منطقة الحرب يهدأ بعد فترة، أما في غزة فلم يهدأ أبدًا

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يُرفق التقرير التالي ترجمةً موجزة لمقابلة مطوّلة مُقتبسة عن ملحق صحيفة "هآرتس" وسيرة ذاتية للمراسلة الحربيّة الأمريكية في شبكة "سي إن إن" أروى ديمون (46 عامًا)، حول تجربتها في تغطية حروب وحشية في الشرق الأوسط، وآخرها في العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزّة حيثُ دُهشت ديمون وفق وصفها بِما لم تُعاينه في أي مكان آخر.

لديمون سجلّ زاخر في التغطية الصحفيّة للحروب. فقد شاركت في تغطية العدوان الأمريكي على العراق من عام 2003 إلى عام 2010 وعاشت في بغداد ومن هناك انتقلت إلى بيروت، وغطت تحوّلات وانقلاب ما يُسمى "الربيع العربي" إلى الحرب المؤامرتية الدامية في سوريا. في عام 2016 دخلت الموصل مع الجيش العراقي، في عملية تحرير المدينة من تنظيم داعش. ما رأته دفعها إلى تأسيس منظمة إنسانية اسمها إنارة (Inara)عام 2015، تعنى بدعم الأطفال المتضررين من الحروب والذين يحتاجون إلى رعاية طبية ونفسية مستمرة. منذ نحو عامين قبل ذلك، قررت ترك شبكة CNN والتركيز على العمل الإنساني.

تدير منظمتها 13 ملجأ طوارئ في غزة، وقد ذهبت لزيارة المكان بنفسها في نيسان الأخير - بعد يومين من مقتل سبعة من عمال الإغاثة من منظمة "المطبخ المركزي العالمي" في عدوان إسرائيلي. وقالت في مقابلة "هآرتس" التي أجريت في قبرص: "كان علي أن أدخل لأفهم مدى سوء بعض الأمور".

ووفق الصحيفة، بعد مكوث ديمون لسنوات في أكثر الأماكن دموية وقمعًا على وجه الأرض، إلّا أن غزة تمكّنت من مفاجأتها. حيث قالت: "موت، دمار، لجوء، أزمة إنسانية - هذه هي الأشياء التي اعتدنا على قبولها كجزء من واقع الحرب. ولكن في غزة رأيت أيضًا موت الروح البشرية. سكان غزة هم موتى سائرون، موت أرواح بهذا الحجم، ودمار نفسي على هذا المستوى، لم أره في أي مكان". مضيفةً: "في لحظة معينة كنت أقود سيارتي في طريق رفح، كانت الشوارع مليئة بخيام اللاجئين، ناس وأكشاك، وهناك تكاد لا تتحرك أي مركبة بسبب عدم وجود وقود، لذلك يتم النقل بالعربات والحمير، والناس يتحركون ببطء. استغرقنا ساعتين لقطع مسافة تستغرق عادة عشر دقائق. طوال هذا الوقت كنت أنظر إلى وجوه الناس الذين مروا أمامنا، صُدمت لأنهم بدوا أمواتًا فعليًا".

تحكي ديمون عن لقاء واحد يوضح هذا الموت النفسي جيّدًا. "أخبرتني إحدى النساء: "ابني البالغ من العمر 7 سنوات يصرخ كل ليلة. أشعر بالقلق دائمًا من تعرضه لنوبة. لقد بدأ يفعل ذلك منذ أن رأى رأس أخته ينفجر". أدركت أنها رأت ذلك أيضًا، وأن ابنتها هي التي كانت تتحدث عنها. لكن نغمة صوتها لم تتغير عندما قالت ذلك. لحماية نفسها، يجب عليها أن تتحدث عما حدث دون إظهار أي مشاعر. لأنها إذا سمحت لقليل من العاطفة بالتسرب إلى صوتها، فسوف تتحطم إلى مليون قطعة. ربما فهمت ما كان يدور في ذهني، وقالت: "نعم، أعرف، ولكن لدي أيضًا أطفال أحياء يحتاجون إلي".

وعلى مر السنين، زارت ديمون غزة ثلاث مرات. وتقول إن الزيارة هذه المرة كانت التجربة الأكثر رعبًا في حياتها المهنية، حتى أكثر من التسلل إلى سوريا والمعارك ضد داعش في الموصل. "عندما تدخلين منطقة حرب، هناك مستوى معين من الخوف، خاصة في المرة الأولى، عندما لا تعرفين ديناميكية المكان بعد. ولكن بعد فترة، يستقر الخوف في جوفك. إنه هناك وأنت تعيشين معه بسلام. هذه المرة، في غزة، لم أستطع تهدئة هذا الخوف. كنت أشعر به في صدري طوال الوقت. لم أستطع تنظيم أفكاري حول حقيقة أنني كنت خائفة من دولة ودودة لدولتي".

وحول سؤالها ممّا خافت بالضبط، قالت ديمون: "عندما تكونين صاحبة منظمة إنسانية، فإنك تبلغين جميع الأطراف المتحاربة أنك تنوين القيام بنشاط معين هناك، في محاولة للحصول على ضمانات لسلامتك. هذه السيرورة في غزة لم تنجح بشكل جيّد على الاطلاق. يمكنك الحصول على إذن للانتقال من رفح إلى مكان معين، ولكن بعد ذلك يتم إيقافك عند حاجز ما. لكن منظمة المطبخ العالمي كانت تتمتع دائمًا بأفضل قناة تواصل مع الجانب الإسرائيلي، لقد أرسلوا العديد من المساعدات الإنسانية إلى شمال قطاع غزة، وكانوا المثال الأكثر نجاحًا لتحقيق حرية العمل في غزة، والهجوم على قافلتهم، قبل يومين من وصولي إلى غزة، أقلقت المجتمع الإنساني. لقد أطلقت عليهم ثلاثة صواريخ واحدًا تلو الآخر، لذلك كنت خائفة وبحق".

وتقول ديمون إن المستشفى الأوروبي الذي زارته أصبح عبارة عن مجمع من الخيام حيث يتم استغلال كل سنتيمتر فيه. "الأرصفة والمروج، كل شيء مغطى بالخيام، وبينهما يتدفق تيار صغير من مياه الصرف الصحي، وفي وسط كل ذلك، صبي يركب زلاجات وردية اللون. داخل المستشفى، الناس يطبخون والأطفال يركضون. على أحد الأسرة جلست فتاة أصيبت في ساقيها، وقالت لي، بأكبر ابتسامة رأيتها على الإطلاق: "أنت ترتدين ملابس رائعة حقًا". وكان هذا أمرًا طبيعيًا أن تقوله فتاة في سن المراهقة. أنا متشبثة بتلك اللحظات الصغيرة من الحياة والكرم الإنساني تقول ديمون.

وحول الظروف في غزّة تضيف ديمون: "حتى بدون خطر القصف، من الصعب جدًا على المنظمات الإنسانية أن تعمل في غزة في الوقت الحالي. في ما يسمى بالمناطق الإنسانية، الظروف غير إنسانية. لا يوجد صرف صحي. في أحسن الأحوال، في مناطق الأمم المتحدة، يستخدم 600 شخص مرحاضًا واحدًا، لا توجد حمامات، ولا مياه شرب نظيفة، ولا يوجد ما يكفي من الطعام، لذلك يأكل الناس وجبة واحدة في اليوم. عندما تدخلين مدينة خيام كهذه، في كل خطوة تخطينها، ترتفع سحابة من الذباب على الفور".

وتواصل ديمون: "حتى 5 أيار، بداية اجتياح رفح، لم يكن هناك على الأقل نقص في الدقيق في رفح. وكانت بعض المنتجات تظهر فجأة في السوق بأسعار معقولة. ولكن الآن اختفى كل شيء. عادة ما تكون بوابة دخول المنظمات الإنسانية هي رفح، والآن هذا المعبر مغلق".

وحتى عندما يسمح جيش الاحتلال الإسرائيلي بمرور المعدات والمساعدات الإنسانية أو البضائع، فإن العديد من الإمدادات لا تدخل لأسباب مختلفة. تقول ديمون: "نحن نطالب بقائمة محدثة لما هو محظور إدخاله إلى غزة حاليًا، والجيش الإسرائيلي لا يقدمها، لذلك فإنك تلعب لعبة التخمين بشأن ما هو مسموح وما لا يسمح بإرساله". وتضيف: "لقد أعد المصريون قائمة بالمنتجات التي تم رفضها مرارًا وتكرارًا، ليقولوا – في رسالة واضحة ألا نطالب بها مرّةً أخرى ولكن بشكل غير رسمي. بعد دخول المساعدات إلى رفح، هناك عملية لوجستية كاملة للتوزيع، والتي تتطلب شاحنات ومخزنًا ووقودًا وتصاريح. من الصعب نقل الخدمات اللوجستية لمنظمة إنسانية، لكن كان علينا نقل كل هذا بين عشية وضحاها، بسبب اجتياح رفح، وتم نقل العملية برمتها إلى دير البلح".

وحول المقارنة مع مناطق حرب أخرى، تقول ديمون إن الاختلاف الكبير هو حقيقة أن سكان غزة لا يستطيعون مغادرة هذه المنطقة. وبينما يوجد في معظم مناطق الحرب طريق للهروب، حتى لو كان خطيرًا، فإن المواطنين في غزة محبوسون في الجحيم، إلا إذا أصيبوا بجروح خطيرة ويحتاجون إلى إنقاذ طبي أو لديهم الكثير من المال. وحتى هذا لا يساعد الآن. توضح ديمون: "يستغل بعض الناس الحرب لكسب المال، هناك شركتان للسفر في مصر تهيمنان على سوق مغادرة غزة. وحتى قبل الحرب، كان هناك حاجة إلى سعر مرتفع لملء الأوراق لمن يريد المغادرة - 600 دولار. أما الآن فقد قفز السعر إلى 5 آلاف دولار، حتى أنه وصل في وقت ما إلى 10 آلاف دولار. على أي حال، في الوقت الحالي، لا يحصل أحد على إذن بالمغادرة. هناك 2000 شخص على قائمة الانتظار للحالات الطبية العاجلة".

ووجّهت ديمون انتقادات كثيرة لوسائل الإعلام العالمية فيما يتعلق بتغطية الحرب. حيث قالت "أعتقد لي أن كريستيان أمانبور صاغت هذه العبارة، بأن مهمتنا ليست أن نكون محايدين، بل أن نكون صادقين. ونحن نفشل في نواحٍ عديدة. اليوم، عدد قليل جدًا من وسائل الإعلام تناضل من أجل الحقائق وتمنح المشاهدين أو القراء رؤية واسعة بما فيه الكفاية. وجهة نظر الصحافة الغربية لا تشك بما يكفي بما تقوله الحكومات في إسرائيل والولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، فإن وسائل الإعلام العربية مذنبة بنفس الشيء. إنهم لا يسألون من أجريت معهم المقابلات أسئلة انتقادية حول النقاط الرئيسية. في بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، إذا شاهدت شبكة سي إن إن سيبدو الأمر كما لو لم يحدث شيء في غزة. وإذا شاهدت وسائل الإعلام العربية بعد 7 أكتوبر، يبدو أن 7 أكتوبر لم يحدث على الإطلاق".

فيما توصي ديمون بعدم الثقة في الجهات الرسمية من أي جهة. حيث قالت: "من تجربتي مع الحكومة الأمريكية، أعلم أن أي حكومة ستحاول إخفاء ما فعلته حتى يكون لديك دليل تضعه أمام وجهها. في بغداد كانت لدينا حالة حيث أصدرت الحكومة الأمريكية بيانًا صحفيًا جاء فيه: "لقد قتلنا عشرة أفراد ميليشيا مسلحة"، لكن صحفيًا كان يعمل معنا وكانت لديه صور أظهرت أنها في الواقع مجموعة من الأطفال يبحثون عن الطعام في كومة من القمامة. لذا اضطرت الحكومة أن تصحح وتعتذر".

وقالت ديمون: "الحرب قبيحة ومثيرة للاشمئزاز، وليس هناك منتصرون. وما دمنا نرفض فهم ما تفعله الحرب بالنفس البشرية، وكيف تؤثر على تطور المتضررين منها، فلن نتمكن أبدًا من كسر الدوائر التي نعيشها. طالما أننا لا نفهم بعضنا البعض على أساس إنساني، فلن نتمكن أبدًا من التوقف عن كوننا مخلوقات عنيفة" مضيفةً: "لقد سئم الناس من كونهم وقودًا لمدافع حماس، وضرر جانبي في نظر إسرائيل. وهذا لا يعني أنهم يقبلون بالاحتلال. لكنهم أيضًا لا يحبون سماع الفلسطينيين الذين ليسوا من سكان غزة يعتقدون أنه من المقبول أن يتم التضحية بغزة على مذبح النضال الفلسطيني. وقال لي صديق عزيز، وهو صحفي من غزة: "عندما أسمع فلسطينيين آخرين يقولون ذلك، فإن ذلك يؤلمني أكثر من القصف الإسرائيلي".

وفي ختام المقابلة قالت ديمون: "إن مستوى الدمار في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن في غزة والسحق النفسي للسكان لا يمكن مقارنتهما في أي مكان آخر. لن يكون من السهل إصلاح ذلك، لكنه ممكن. لم يفت الأوان بعد لإنقاذ غزة، نحن أمام 20 أو 50 عامًا صعبًا، لكن ليس عليهم أن يقودوا إلى شيء فظيع. مطلوب التفكير بشكل موسع على المدى الطويل. هناك خوف حقيقي في كلا الجانبين، وربما يجب على كل جانب أن يعترف بألم الآخر. هذه توقعات غير واقعية، لكن لا بد أن تحدث يومًا ما".

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

مقتل شاب بجريمة إطلاق نار في زلفة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

تقرير: إسرائيل تعرض على الولايات المتحدة معلومات استخبارية حول برنامج الصواريخ الإيراني

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

ترامب: وجهت انذارًا نهائيًا لإيران وهم مهتمون بعقد اتفاق

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

اتفاق شامل بين حكومة دمشق و"قسد" بشأن وقف إطلاق النار وعملية الدمج

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

منظمة "أطباء بلا حدود" ترفض مشاركة معلومات موظفيها مع السلطات الاسرائيلية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

وقفة احتجاجية ضد تفشي الجريمة في طمرة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

المحكمة العليا تؤجل مجددًا النظر في الطعن ضد القوانين المناهضة للأونروا

featured
الاتحادا
الاتحاد
·30 كانون ثاني/يناير

أردوغان يعرب عن استعداد تركيا للتوسط لنزع فتيل التوترات بين إيران والولايات المتحدة