في الذكرى السابعة والسبعين للنكبة، يستحضر الشعب الفلسطيني مأساة التهجير الجماعي والتطهير العرقي الذي تعرض له مئات آلاف الفلسطينيين عام 1948، وسلب منازلهم وأراضيهم، وتدمير مئات القرى بهدف إقامة دولة إسرائيل. في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية يواجه الفلسطينيون اليوم في الداخل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 تهديدات وجودية متواصلة، تُعيد إلى الأذهان النكبة ذاتها. فمنذ السابع من تشرين الأول 2023، يتعرض سكان قطاع غزة لإباده جماعية تشمل القتل والتهجير القسري والتجويع الممنهج، إلى جانب التدمير الواسع للبنية التحتية والمنازل. وتمتد هذه السياسات اليوم إلى مختلف أنحاء الضفة الغربية، كما تُطبَّق بعض هذه التدابير على السكان البدو في النقب. تعكس هذه الإجراءات محاولة واضحة من جانب إسرائيل لطمس قضية اللاجئين الفلسطينيين وتصفية حقهم في العودة. مرة أخرى، نشهد أهوال النكبة المتكررة، ليس كحدث تاريخي، ولكن كواقع مستمر. في هذا العدد من النشرة، نسلط الضوء على قضايا راهنة يعالجها مركز عدالة والتي تعكس استمرار السياسات المتعلقة بالنكبة.
الإخلاء القسري وسلب الأراضي في النقب
عززت الحكومة الإسرائيلية الحالية السياسات والممارسات الرامية إلى اقتلاع السكان البدو من منازلهم وتهجيرهم قسرًا وتوسيع المستوطنات اليهودية في النقب. حجم الدمار مذهل، حيث تم هدم 8,194 مبنًى تابعًا للبدو في النقب- غالبيتها مبانٍ سكنية- خلال عامي 2023 و2024. في الوقت ذاته، صادقت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء في الجنوب مؤخرًا على خطة لإقامة خمس مستوطنات يهودية جديدة.
تسعى إحدى مخططات الحكومة إلى ترحيل سكان القرى غير المعترف بها في النقب قسرًا، ونقلهم إلى ما يسمى بـ"مخيمات السكن المؤقت"، وهي فعليًا مخيمات لجوء داخلي. تنص الخطة على إقامة مساكن مؤقتة داخل بلدات بدوية معترف بها، تعاني أصلًا من الاكتظاظ والفقر، وذلك لفترة تمتد حتى خمس سنوات، ومن دون توفير بنية تحتية أو خدمات مناسبة، أو حلول إسكانية دائمة. من شأن هذه الخطة أن تدفع بالسكان نحو ظروف معيشية قاسية وغير إنسانية، مع غياب أي أفق واضح.
في 9 أيار 2025، قدّم مركز عدالة وجمعية بمكوم- مخططون من أجل حقوق التخطيط استئنافًا إلى المجلس القطري للتخطيط والبناء ضد هذه الخطة، نيابة عن المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، ولجان محلية، وسكان 19 قرية غير معترف بها في النقب. وكانت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء في الجنوب قد صادقت على هذه الخطة في آذار 2025، وذلك بعد رفضها اعتراضًا قدّمه عدالة وبمكوم في أيلول 2024.
بالإضافة إلى الطعن في إقامة "مخيمات النزوح"، يواصل مركز عدالة تمثيل مئات من السكان البدو في دعاوى إخلاء رفعتها سلطة أراضي إسرائيل ضد أهالي قرى راس جرابة، البقيعة، وأم بدون. كما يتحدى عدالة وبمكوم خطة تهدف إلى توسيع مدينة ديمونا اليهودية من خلال بناء حيّ جديد على أنقاض قرية راس جرابة.
التهجير القسري الجماعي للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية
منذ كانون الثاني 2025، يشنّ الجيش الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة النطاق في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، مع تركيز خاص على مخيمات اللاجئين في شمال الضفة. وقد تسببت هذه الهجمات في أكبر موجة نزوح تشهدها الضفة الغربية منذ احتلال عام 1967، إذ أُجبر نحو 40,000 فلسطيني على مغادرة منازلهم. ووفقًا للأمم المتحدة، لم يتمكن العاملون في المجال الإنساني من تقييم عمليات الهدم بشكل منهجي بسبب القيود التي فرضتها إسرائيل على الوصول إلى المناطق المتضررة. وقد أدانت منظمات حقوقية دولية هذه المخططات باعتبارها شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور.
في 1 أيار 2025، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر عسكرية بهدم 104 مبانٍ مدنية في مخيمي طولكرم ونور شمس شمال الضفة الغربية. كانت هذه المباني تؤوي ما لا يقل عن 1,000 شخص، معظمهم من عائلات لاجئة هجّرت خلال النكبة عام 1948، واضطرت مؤخرًا إلى اللجوء مجددًا إلى بلدات مجاورة. وقد صدرت أوامر الهدم دون أي إشعار رسميّ لمعظم أصحاب المنازل، ما حرمهم من حقهم في الاعتراض، في انتهاك صارخ لحقوقهم الأساسية في الإجراءات القانونية الواجبة.
في 9 أيار رفضت المحكمة العليا التماسًا قدّمه مركز عدالة لإلغاء أوامر الهدم واسعة النطاق في المخيمين. وجادل عدالة بأن هذا الدمار الشامل ينتهك حقوق الملكية والسكن والكرامة، ويشكّل نقلًا قسريًا لأشخاص محميين، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي ويعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني. كما أكد الالتماس أن ادعاء الجيش بأن الهدم يشكّل "ضرورة عسكرية" أو يسهم في الحفاظ على "النظام العام" هو تبرير فضفاض لا يعفي سلطات الاحتلال من مسؤولياتها القانونية تجاه حماية المدنيين. وقبلت المحكمة ادعاء الجيش الغامض بحاجته إلى "مساحة أكبر" لمواصلة عملياته، من دون عقد جلسة استماع أو طلب تقديم أدلة داعمة، ما يضفي شرعية على صلاحياته المطلقة ويُكرّس حملته العنيفة ضد اللاجئين الفلسطينيين. ويؤكد هذا الحكم غياب الرقابة القضائية والتدقيق والمساءلة.
حظر الأونروا يهدّد مصير ملايين اللاجئين الفلسطينيين
في تشرين الأول 2024، سنّت إسرائيل قانونين يستهدفان وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين- الأونروا، بهدف تقويض عملياتها بشكل جذري، ما يهدد حياة ملايين اللاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بعواقب وخيمة. ورغم الإدانات الدولية الواسعة لهذه القوانين، وطرح القضية أمام محكمة العدل الدولية، مضت إسرائيل في تنفيذها دون تراجع.
في 16 كانون الثاني 2025، قدّم مركز عدالة التماسًا إلى المحكمة العليا، نيابة عن عشرة لاجئين فلسطينيين و"غيشاه – مسلك“- مركز للدفاع عن حريّة التنقل، للطعن في هذه القوانين. أكد الالتماس أن إغلاق الأونروا سيحرم اللاجئين الفلسطينيين من الخدمات الأساسية، وينتهك كلاً من القانونين الإسرائيلي والدولي. رفضت المحكمة طلب الملتمسين إصدار أمر احترازي لتجميد تنفيذ القوانين، ما أتاح دخولها حيز التنفيذ في 30 كانون الثاني 2025.
كذلك، رفضت المحكمة العليا طلبًا إضافيًا قدّمه مركز عدالة لوقف إغلاق ست مدارس تابعة للأونروا في القدس، بموجب أمر صادر عن وزارة التعليم الإسرائيلية بتاريخ 6 نيسان 2025. وعلى الرغم من جهود متواصلة من عدالة لوقف تنفيذ هذه الأوامر، داهمت الشرطة الإسرائيلية، في 8 أيار، ثلاث مدارس وأغلقتها بالقوة، ما أسفر لاحقًا عن إغلاق المدارس الثلاث المتبقية. نتيجة لذلك، بات مستقبل نحو 800 طالب فلسطيني لاجئ بالتعليم مهددًا بشكل مباشر.
تأتي حملة القمع هذه ضد مدارس الأونروا في القدس، قبل شهر فقط من نهاية العام الدراسي وفي ذروة أزمة إنسانية غير مسبوقة ذات دوافع سياسية في قطاع غزة، منذ بدء حرب الإبادة في تشرين الأول 2023. فمنذ 2 آذار 2025، صعّدت إسرائيل هجماتها العسكرية على غزة، وفرضت حصارًا خانقًا منع دخول البضائع بشكل كامل، ما أدى إلى تجويع السكان، كما منعت دخول جميع موظفي الأونروا الدوليين إلى القطاع، واستهدفت وقتلت عمال الإغاثة بشكل ممنهج، ما جعل تقديم المساعدات الإنسانية شبه مستحيل، وحرم أكثر من مليوني شخص من الوصول إلى المساعدات المنقذة للحياة. ورغم ذلك، تواصل الأونروا تقديم المساعدات في غزة قدر الإمكان، إلا أن قدرتها على العمل لا تزال تحت تهديد دائم ومستمر.






.png)
