نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرًا مطوّلًا نقلت فيه شهادات ميدانية صادمة لطبيبين أميركيين تطوعا في قطاع غزة، وصفا فيها الأوضاع الطبية والإنسانية في المستشفيات بأنها "كارثة لا تُشبه أي كارثة بشرية أو طبيعية في العقود الأخيرة"، مؤكدَين أن معظم الضحايا هم من المدنيين، وأن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة منهم.
التقرير، الذي نشرته الصحيفة، اليوم الجمعة، يسلّط الضوء على تفاصيل دقيقة رواها الدكتور فيروز سيدهوا، أخصائي جراحة الصدمات من كاليفورنيا، والدكتور مارك بيرلموتر، جراح العظام، واللذان عملا في مستشفيي ناصر في خان يونس، وشهداء الأقصى في دير البلح على التوالي.
"مجمع الأطفال الموتى" في غرفة الطوارئ
أبرز ما ورد في التقرير هو وجود منطقة خاصة داخل غرفة الطوارئ في مستشفى ناصر، تُعرف بين الأطباء باسم "مجمع الأطفال الموتى"، يُحال إليها الأطفال الذين يُعتبر إنقاذهم مستحيلًا بسبب نقص الموارد أو فداحة الإصابات، ليموتوا بجوار عائلاتهم بسلام.
في 18 مارس/آذار، الليلة التي استؤنف فيها القصف الإسرائيلي بعد وقف إطلاق النار، أرسل الدكتور سيدهوا فتاتين صغيرتين إلى تلك المنطقة، رغم أنهما كانتا لا تزالان على قيد الحياة. وقال: "كان عليّ أن أُسلم كلًا منهما إلى والديها وأقول: سيموتان، لا أستطيع فعل شيء".
الفتاة الأولى كانت في الثالثة من عمرها، أصيبت بشظايا اخترقت وجهها ودماغها. أما الثانية، فكانت في الخامسة، وأصيبت بإصابة دماغية مماثلة. لا تتوفر في المستشفى جراحة أعصاب، ولا المعدات اللازمة لمحاولة إنقاذ مثل هذه الحالات.
انهيار كامل في التجهيزات الطبية
الدكتور بيرلموتر، الذي تطوع في مستشفى شهداء الأقصى، وصف المشاهد الطبية هناك بالرهيبة. "الدماء تغمر الأرض، المرضى ينزفون فوق بعضهم البعض، لا توجد أدوية، لا مسكنات، لا مضادات حيوية"، وقال: "غسلت جروح المرضى بصابون الفندق. كان بعضهم يستيقظ بعد بتر ثلاثة أطراف دون أي مسكن ألم".
في حالة طبية نادرة، اضطر بيرلموتر إلى ترك مثقاب جراحي داخل ساق أحد المرضى لأن البراغي المطلوبة لم تكن متوفرة.
أما سيدهوا، فأكد أن بنك الدم في مستشفى ناصر لا يسمح بأكثر من 8 وحدات دم لكل مريض، في حين أن بعض الحالات تتطلب أكثر من 100 وحدة. امرأة شابة توفيت بعد 12 ساعة من عملية لأن نقل الدم توقف.
أطفال يمسكون أطراف الأطباء: كوابيس وألم نفسي
يتحدث الطبيبان عن أثر التجربة عليهما نفسيًا، إذ قال بيرلموتر: "أرى كوابيس كل ليلة. أطفال يمسكون بنطالي ويطلبون مني ألا أدوس عليهم أو أن أساعد أختهم".
وأضاف: "قفزنا فوق أطفال جرحى لأننا كنا نبحث فقط عن من لديه فرصة حقيقية للبقاء. لو كنا في أميركا، لإنقذنا الكثير منهم".
سوء تغذية وانهيار اجتماعي
رصد الطبيبان تفشي سوء التغذية بين سكان غزة. قال سيدهوا إنه فقد سبعة كيلوغرامات في أسبوعين، بسبب الاعتماد شبه الكامل على الأرز، وعدم توفر البروتين. أما بيرلموتر، فقال: "علبة التونة تُعادل أسبوع عمل، والطماطم تُساوي يومًا من الدخل".
كما لاحظ سيدهوا تزايد العنف المجتمعي، مع وصول إصابات إلى الطوارئ ناتجة عن صراعات عائلية، وهو ما وصفه بأنه "علامة على تفكك المجتمع تحت الضغط".
قصة إبراهيم برهوم: طفل قُتل بسبب تشابه الأسماء
يروي سيدهوا قصة مؤثرة عن الفتى إبراهيم برهوم (16 عامًا)، الذي نجا من إصابة في البطن بعد عملية معقدة، وكان يستعد للخروج من المستشفى. لكنه استشهد في غارة استهدفت شخصًا يحمل نفس اسم العائلة. "رأيته ملفوفًا في الكيس، وتعرفت على الجرح الذي أجريته له بنفسي"، قال الطبيب بحزن.
دعوات لإنهاء الحرب ورسائل للإسرائيليين
في سياق التقرير، أكّد الطبيبان أنهما لا يبرران وجود حماس، لكنهما يريان أن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون هي التي أوجدت الحركة. وقال بيرلموتر: "عندما قلت للناس في غزة إنني يهودي، أرادوا أن يعانقوني. قالوا لي: اليهود إخوتنا، ومشكلتنا مع من يقتلنا".
سيدهوا، الذي يعرف إسرائيل جيدًا وتطوع سابقًا في منظمة يهودية عربية في حيفا، قال: "الإسرائيليون ليسوا أغبياء. عليهم أن يتوقفوا عن دفن رؤوسهم في الرمال. وقف إطلاق النار هو الطريق الوحيد لبقاء إسرائيل".
مطالب بمحاسبة بايدن وانتقادات للغرب
الطبيبان شاركا أيضًا في رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي جو بايدن في تشرين الأول/ أكتوبر، مطالبين بوقف شحن الأسلحة إلى إسرائيل، واتّهما الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار على الأطفال.
بيرلموتر صرّح صراحة أنه "معادٍ للصهيونية"، وقال إن بايدن "يجب أن ينهي حياته في السجن بسبب مسؤوليته عن الإبادة الجماعية في غزة".


.png)


