لايفوفيتش كان على حق عندما تنبأ بأن الاحتلال هو مفسد، وأن نتائجه سترتد علينا، وهذا ما شاهدناه في استخدام وسائل تجسس ضد الفلسطينيين تستخدم ضد الإسرائيليين
"الدولة التي تسيطر على مجموعة سكانية معادية تبلغ 1.4 مليون إلى 2 مليون شخص اجنبي، ستكون بالضرورة دولة شين بيت (مخابرات)، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات على روح التعليم، وحرية التعبير والتفكير ونظام الديمقراطية. الفساد الذي يميز أي نظام كولونيالي سيصيب ايضا دولة اسرائيل"، هذا ما كتبه يشعياهو لايفوفيتش بعد سنة تقريبا على انتصار حرب الايام الستة، في فترة سيطرت فيها النشوة على جميع اجزاء الشعب، وارض اسرائيل الكاملة تحدث عنها ليس فقط من أسسوا غوش ايمونيم، بل ايضا تحدث عنها التيرمان.
من اصيب بالصدمة من الكشوفات الجديدة حول التجسس المنهجي لشرطة اسرائيل على نشطاء احتجاج ومراسلين وموظفين عامين كبار، وحتى ابناء عائلة رئيس الحكومة السابق، يجب عليه العودة الى نبوءة لايفوفيتش الدقيقة.
فقط في أمرين لم تكن نبوءة يشعياهو دقيقة. فالآن يعيش في الضفة وفي غزة اكثر من خمسة ملايين فلسطيني، والشين بيت غير اسمه الى الشاباك.
دولة تصر على ايجاد سيطرة عسكرية على مجموعة سكانية كبيرة طوال خمسين سنة، لا يمكن أن تكون محصنة ضد اختراق هذه المعايير لشيفرتها الجينية هي نفسها. صناعة برامج التجسس الاسرائيلية التي تتألق في وسائل الاعلام المحلية والاجنبية ترتكز الى المعرفة التي راكمها من طوروها في وحدات التكنولوجيا في الجيش وفي الشباك، وعلى رأسها وحدة 8200.
على مسافة خمس دقائق من كفار سابا، في ساحة العاب الاحتلال التي يعيش فيها رعايا فلسطينيون بدون حقوق انسان اساسية، وبالتأكيد دون الحق في الخصوصية، ولد بيغاسوس وامثاله. في الوقت الذي فيه كل مسن أو طفل فلسطيني هو تهديد أمني في طور الامكان، وحين يكون بالامكان اقتحام بيوت العائلات في الليل، وتصوير الاطفال الذين يخرجونهم بشكل قسري من النوم، فمن الواضح أن هناك حاجة الى تخفيف الاجراءات وتحسين التكنولوجيا من اجل السيطرة على هذا العدد الكبير. ولكن لا أحد ينبس ببنت شفة، لأن هذا يتم باسم "الامن".
في المرحلة التالية، نفس هذه التكنولوجيا تصبح جزءا شرعيا من "التصدير الامني" الاسرائيلي المقدس، مصدر فخرنا. من كانوا الى ما قبل فترة قصيرة يتجسسون على المواطنين الفلسطينيين ويساعدون انظمة ديكتاتورية من اجل التجسس على من يعارضون الانظمة، مراسلون أو حتى اشخاص يشكلون تهديد سياسي.
في نهاية المطاف ايضا هذه الانظمة تفعل ذلك باسم الامن ودولة اسرائيل تروج لذلك بفخر كأداة دبلوماسية واقتصادية مشروعة. ما هو الغريب في أن هذه الممارسات في نهاية المطاف سيتم استخدامها ضد مواطني اسرائيل؟
في احتفال تعيين المفتش العام للشرطة، روني ألشيخ، تفاخر نتنياهو بأنه جلبه من الشاباك مع خبرته بالفلسطينيين. وحتى أنه تحدث عن قدرة ألشيخ على دمج التكنولوجيا من الشاباك في مكافحة الجريمة.
لكن من يريد الاعتقاد بأن الفساد انتشر في اعقاب وجود مفتش عام كهذا أو ذاك، فهو يغمض عينيه ويتجاهل الصورة الكبيرة. الاغلبية الساحقة من عناصر الشرطة وضباط الشرطة هم خريجو الجيش الاسرائيلي. المهمة الاساسية لمعظم قوات الجيش هي السيطرة العسكرية على يهودا والسامرة. في حين أن اجيالا من الضباط والجنود العاديين تعودوا على أن يعتبروا الفلسطينيين، سواء مواطنين أو زعماء محليين أو نشطاء حقوق انسان وما شابه، تهديد محتمل يجب مراقبته وقمعه، فما الغريب في أن أحد في مستوى القيادة في الشرطة لم يحتج على الخرق الفظ للاستخدام الجامح للبرنامج الاسرائيلي نفسه؟. الاحتلال يفسد، الاحتلال يشوش.
نبوءة الغضب للايفوفيتش تتجسد بكامل القوة في هذه الايام، وهذا غير مفاجئ. ليت أنه يتم تشكيل لجنة تحقيق رسمية تقوم بفحص داخلي وجدي في الشرطة. ولكن هذا يعتبر نقطة في بحر مرض الديمقراطية الاسرائيلية. فمن اجل معالجة المرض نفسه يجب اجتثاث الورم، الذي هو احتلال شعب آخر يطمح الى الحرية.
رئيس الحكومة والحكومة الذين يختارون تجاهل ذلك هم يقومون بلعب دور في انهاء حلم الصهيونية بدولة يهودية قومية وديمقراطية، نهاية شاهدنا في ايامنا هذه جزء من مظاهرها. هذه النهاية لا تأتي مرة واحدة، بل بتدهور مستمر الى حين الوصول الى نقطة اللا عودة.
هآرتس- 8/2/2022







