كتب المحاضر في العلوم السياسية، والباحث المختص في شؤون الجيش، البروفيسور يجيل ليفي، مقالاً اليوم في صحيفة هآرتس، يفكك فيه الرواية الرسمية الإسرائيلية، حول "الرغبة بتقليص المس بالمدنيين" عبر استخدام "الأسلحة الدقيقة" خلال الضربات الجوية لجيش الاحتلال في العدوان الأخير على غزة. وأظهر اعتمادًا على المعطيات الرسمية الإسرائيلية التي هي بحد ذاتها غير دقيقة وتقلل تزويرًا من عدد الضحايا "المدنيين"، أن الدعاية الإسرائيلية حول "تقليص عدد الضحايا المدنيين" لا تصمد في امتحان الواقع.
وفي سبيل ذلك، قارن الباحث بين نسبة الـ"مدنيين"، وفق التعريف الإسرائيلي، من إجمالي عدد الضحايا في ثلاث حروب على غزة، والتي استندت بالكامل إلى الهجمات عن بُعد، وبشكل أساسي من الجو، دون اجتياح بري: العدوان على غزة في عام 2012، الذي استمر قرابة أسبوع، والعدوان على غزة في عام 2021، الذي استمر قرابة أسبوعين، والعدوان الأخير على غزة الذي استمر ثلاثة أيام.
ولمقارنة البيانات، اعتمد على تقارير "مركز معلومات المخابرات والإرهاب على اسم الجنرال مئير عميت"، والذي يحلل باستمرار "عدد الضحايا ويحدد انتمائهم". والمرتبط بالمؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، لأن الاعتماد على بياناته "سيقلل من الجدل"، مع أن الباحث يؤكد أن هذه البيانات "ليست خالية من المشاكل"، وهناك فجوة بينها وبين التقارير الأخرى التي تحصي عددًا أكبر من الضحايا "المدنيين".
ووفق البيانات الرسمية المعترف بها إسرائيلياً، بلغت نسبة الضحايا المدنيين في العمليات الثلاث نحو 40% من مجموع الضحايا. في عدوان 2012- 68 من أصل 169 ضحية كانوا من المدنيين، وكذلك 95 على الأقل من أصل 236 في عدوان 2012. وفي العدوان الأخير كان 16 من أصل 38 ضحية في هجمات جيش الاحتلال من المدنيين، أي بنسبة 42%. ويستنتج الباحث من هذه المقارنة أن هناك "فجوة بين الخطاب الرسمي لإسرائيل وسلوك الجيش".
واستنادًا لتقرير الصحفية عميرة هاس في هآرتس، الذي أظهر بأن عدد الضحايا المدنيين أكثر مما أعلن "مركز المعلومات الاستخبارية"، يستنتج الباحث أن هناك "نمط من سلوك إطلاق النار المتهور في المناطق المزدحمة بقطاع غزة. لذلك على الرغم من انتقاد إسرائيل في العمليات السابقة والتحقيق الذي أجرته محكمة الجنايات في لاهاي ضد الإسرائيليين المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، لا يوجد تغيير جوهري في سلوك إسرائيل".
ويقول الباحث إن الاستنتاج الأعمق يتعلق بالنقاش الدائر في الغرب، والذي يتعامل مع السؤال إلى "أي مدى يساعد استخدام الأسلحة الدقيقة في تقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين في ساحة العدو". ويقول إن إحدى الحجج المهمة في هذا المجال هي أنه "بفضل وجود الأسلحة الدقيقة، يوافق رجال الدولة والجنرالات على الهجمات على الأهداف، والتي لم يكن من الممكن في ظروف أخرى في الماضي مهاجمتها خوفًا من وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين". ويقول إن هذا الاستنتاج صالح في إسرائيل أيضًا. ويضيف "إذا قاتلت إسرائيل بطريقة مشابهة في جميع العمليات، فسيكون من الممكن توقع انخفاض الضرر اللاحق بالمدنيين، بسبب الدقة في الضربات، لأن استخدام الأسلحة الدقيقة قد توسع بشكل كبير منذ بداية العقد الماضي. وبدلاً من ذلك، كانت هناك زيادة في الغارات الجوية على المناطق المكتظة بالسكان (ضرب المباني السكنية)، لذلك ظل عدد القتلى كما هو". ويستنتج الباحث أن "زيادة الدقة زادت من الجرأة ولم تقلل الضرر اللاحق بالمدنيين".
ويستخلص الباحث أنه يترتب على ذلك استنتاج آخر: "لا ينبع استخدام الوسائل العسكرية بالضرورة من اضطرارات أمنية خارجية فحسب، بل من توفرها أيضًا. لذلك فإن الظروف التي أدت إلى مقتل مدنيين تستحق تحقيقًا حقيقيًا، ومن المشكوك فيه أن ينفذ الجيش هذا التحقيق من تلقاء نفسه".







