جمعت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في تقرير نشر اليوم الاثنين، شهادات من سكان المناطق الساحلية في سوريا لصحيفة حول الجرائم المروعة التي قامت بها الميليشيات التابعة للنظام الجديد في دمشق، وتحدثوا عن إطلاق نار خارج منازلهم وانتشار جثث في الشوارع، "في موجة الاضطرابات الأعنف التي تشهدها البلاد منذ الإطاحة ببشار الأسد"، وفق الصحيفة. ووفقًا للتقرير، "قُتل أكثر من ألف شخص، بينهم مئات المدنيين، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، وسط اتهامات لقوات السلطة الجديدة بالمسؤولية عن معظم أعمال القتل".
ووفق الصحيفة، بدأ إطلاق النار فجر الجمعة في بلدة الحفة بمحافظة اللاذقية على ساحل البحر المتوسط. ولاّء، وهي شابة تبلغ من العمر 29 عامًا وتعيش في البلدة، وتحدثت لنيويورك تايمز، استيقظت مذعورة وقفزت إلى زاوية غرفتها في شقتها بالطابق الأول، فيما كانت أصوات الطلقات تدوي في الخارج.
تقول ولاّء إنها عندما اشتدت الفوضى، تقدمت بحذر نحو النافذة وأزاحت الستائر لتنظر إلى الشارع، فرأت عشرات الأشخاص يفرّون، بعضهم بملابس النوم، بينما كان أربعة رجال يرتدون بزات خضراء داكنة يلاحقونهم. ثم فتح عناصر الأمن النار، ليسقط أربعة أشخاص أرضًا أثناء محاولتهم الفرار. "لم أصدق ما رأيت، كنت مرعوبة"، قالت ولاّء، التي طلبت عدم ذكر اسمها الكامل خوفًا من الانتقام.
والهجوم على بلدة الحفة كان جزءًا من موجة اضطرابات اجتاحت المناطق الساحلية في سوريا خلال الأيام الأخيرة. ووفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من لندن مقرًا له ويتابع الصراع في البلاد، قُتل أكثر من ألف شخص في المواجهات الدامية.وفق الصحيفة، وأثارت هذه التطورات مخاوف من تفجر نزاع طائفي واسع، مما تسبب في حالة من الذعر في محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث تتمركز الطائفة العلوية.
في يوم السبت، كان الطريق السريع المؤدي من دمشق إلى طرطوس شبه خالٍ، حيث سعت السلطة المؤقتة إلى الحد من حركة المرور نحو الساحل. كما أقامت قوات الأمن حواجز على الطرق الرئيسية داخل طرطوس ومحيطها، حيث أُغلقت معظم المتاجر ولزم السكان منازلهم.
شادي أحمد خضر، البالغ من العمر 47 عامًا، جلس بجانب الطريق السريع بين طرطوس واللاذقية يراقب سيارات الإسعاف والمركبات الحكومية المسرعة. وأوضح أن شوارع حيه باتت شبه مهجورة بسبب تصاعد العنف، وأن الاشتباكات حولت طرطوس إلى "مدينة أشباح".
ووفق الصحفية، رغم أن خضر من الطائفة العلوية، إلا أنه أكد، كغيره من سكان المدينة، أنه لا يدعم المقاتلين الموالين للأسد الذين حملوا السلاح ضد الحكومة الجديدة. لكنه أبدى مخاوف من أن قوات الأمن التابعة للحكومة الجديدة لا تميز بين هؤلاء المقاتلين والمدنيين العلويين، مثلما حدث معه، وهو عامل رافعة كان يعمل لدى حكومة السابقة. "ربما يأتون إلينا، يتهموننا بمعاداتهم ويقتلوننا"، قال خضر بخوف.
وأشار خضر إلى أن سوريا تتجه بسرعة نحو جولة جديدة من الصراع. فحتى بعد ظهر السبت، لم تهدأ حدة العنف، وكان الجنود في نقاط التفتيش على الطريق الرئيسي يحذرون السائقين من كمائن مسلحة تنتظر السيارات المتجهة شمالًا نحو اللاذقية. "نحن فقط في المياه الضحلة"، قال خضر"لم نصل بعد إلى العمق".
مذابح في بانياس وفرار جماعي للسكان
في مدينة بانياس، الواقعة شمالي طرطوس، قال أربعة سكان إن مسلحين، تابعون للقوات الحكومية، اقتحموا الأحياء العلوية ليل الخميس-الجمعة.
عاطف مصطفى، أحد سكان بانياس، روى أنه قضى يومي الجمعة والسبت مختبئًا مع زوجته، هالة حامد، وابنهما البالغ شهرين، خلف باب منزلهما، وهو المكان الوحيد الذي لا تحيط به النوافذ في شقتهما الصغيرة. وأضاف أنه في فجر الجمعة، سمع أصوات إطلاق النار تقترب من بنايته، ثم سمع صرخات ورصاصًا ينطلق من الشقة أسفل منزله. لاحقًا، اكتشف أن جيرانه في الطابق السفلي قُتلوا.
"كنت خائفًا للغاية على طفلي وزوجتي"، قال مصطفى (30 عامًا) في اتصال هاتفي مع "نيويورك تايمز". "كانت مرعوبة. لم أكن أعرف كيف أخفي عنها أنني خائف أيضًا".
عندما هدأ إطلاق النار بعد ظهر السبت، قرر مصطفى الفرار مع عائلته إلى منزل أحد الأصدقاء في حي لم يتأثر كثيرًا بالعنف. وبينما كان يقود سيارته بعيدًا عن منزله، صُدم بالمشاهد التي رآها. "كل مترين أو ثلاثة، كانت هناك جثة على الأرض"، قال مصطفى. وأضاف أن بقع الدماء انتشرت على الأرصفة، وتحطمت نوافذ المحلات، وبدا أن العديد من المتاجر قد نُهبت.
وبحسب المرصد السوري، قُتل ما لا يقل عن 60 مدنيًا، بينهم خمسة أطفال، خلال المواجهات العنيفة في بانياس. "أنا مصدوم، ببساطة مصدوم"، قال مصطفى، الذي يعمل صيدليًا. وأضاف أنه بحلول مساء السبت، لم يكن يفكر سوى في مغادرة المدينة. "يجب أن نخرج من هنا بأسرع وقت ممكن. لم يعد هذا المكان آمنًا، على الإطلاق".
عمليات نهب وتهديدات مباشرة للسكان
وكان مصطفى من بين مئات الأشخاص الذين فروا من بانياس السبت، حيث لجأ الكثيرون إلى أصدقاء غير علويين على أمل أن تنجو أحياؤهم من العنف المتصاعد.
أما ولاّء، التي شاهدت قوات الأمن تطلق النار على الفارين في الحفة، فقد اختبأت مع عائلتها وأصدقائها في شقتها عندما اقتحمت قوات الأمن باب منزلها، بعد نحو ساعة من دخول القوات الحكومية إلى البلدة.
وقالت إن إحدى صديقاتها، وهي من إدلب، حاولت إقناع المسلحين بعدم إيذائهم، قائلة لهم: "أنا من إدلب. عائلتي كلها من إدلب. رجاءً، لا تؤذوا هؤلاء الأشخاص، إنهم عائلة مسالمة".
لكن المسلحين طالبوا بتسليم الهواتف وأجبروا والدة ولاّء على نزع مجوهراتها الذهبية، قبل أن يغادروا بعد تحذير صارم: "لا تغادروا المنزل".
بعد حوالي ساعة، عندما خفّ إطلاق النار، قررت ولاّء الخروج لمساعدة شخص كان يصرخ طالبًا النجدة في الشارع. وجدت رجلين مصابين، أحدهما ينزف بشدة وطلب منها بصوت خافت رفع رأسه قليلاً عن الأرض، بينما الآخر، الذي أصيب في فخذه، كان يتوسل للحصول على الماء.


.png)


