"نحن بحاجة إلى مقاومة للفاشية تنطلق من الأحياء" – مقابلة مع فِرَات كوتشاك عضور البرلمان الألماني عن حزب "دي لينكه"

A+
A-
فِرَات كوتشاك عضور البرلمان الألماني عن حزب "دي لينكه"
فِرَات كوتشاك عضور البرلمان الألماني عن حزب "دي لينكه"

 حاوره: غولي دولِف–هشلوني

يُعدّ عضو البوندستاغ الألماني فِرَات كوتشاك من أبرز الأسماء الصاعدة في المشهد السياسي الألماني. فبصفته عضواً في حزب "دي لينكه" (اليسار)، تمكن كوتشاك من تحقيق ما اعتبره كثيرون إنجازاً مستحيلاً. فمعظم استطلاعات الرأي توقعت انهيار الحزب وخروجه من البرلمان بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في شباط/ فبراير الماضي. ورغم تصاعد اليمين واليمين المتطرف، تمكن "دي لينكه" من مضاعفة قوته تقريباً، إذ حصل على أكثر من 9% من الأصوات، وسجل إنجازاً غير مسبوق في برلين، حيث بات الحزب الأكبر في العاصمة الألمانية.

تقليدياً، يتركز دعم حزب "دي لينكه" في الولايات الشرقية، التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية سابقاً، ولهذا فإن إنجاز كوتشاك يُعدّ استثنائياً: فقد تم انتخابه لعضوية البوندستاغ ممثلاً عن حي نويكولن الواقع جنوب غرب برلين. وهو بذلك صاحب أول مقعد مباشر يفوز به حزب "دي لينكه" في منطقة تقع ضمن ألمانيا الغربية سابقًا.

كوتشاك، ابنٌ لمهاجرين أكراد، سياسيّ فصيح يتمتع بحضور قوي، نشأ في حي فقير تسكنه أغلبية مهاجرة، ولا يزال متصلاً بهموم السكان ومطالبهم. إلى جانب ذلك، يتسم كوتشاك بجرأة لافتة في انتقاده للإبادة الجماعية الجارية في غزة، وذلك في مناخ سياسي ألماني ما زالت فيه إسرائيل موضوعاً محظوراً تقريباً، إذ يتهرّب صناع القرار من إدانة ما يجري هناك. في ظل هذه الإنجازات اللافتة، أجريتُ معه هذا الحوار لفهم استراتيجيته السياسية.

الانتخابات جرت في سياق انزياح واسع نحو اليمين داخل المجتمع والأحزاب الألمانية، وهي ظاهرة عالمية الطابع. ومع ذلك، حقق "دي لينكه" إنجازًا تاريخيًا. كيف قلبتَ هذه المعادلة في منطقتك ؟

كوتشاك: الأمر بسيط كما يبدو: كنا نمتلك خطة واضحة ومنهجية منظمة لتقسيم الحي ورسم خريطة مفصلة لنقاط القوة المحتملة في نويكولن. على المستوى الفكري، كنا نطمح إلى ممارسة سياسة من نوع آخر. وعلى أرض الواقع، هذا يعني أننا طرقنا أكثر من 139,000 باب خلال الحملة، وأجرينا ما يزيد على 30,000 محادثة مباشرة مع السكان.

لكن المسألة لم تكن فقط كمية؛ بل نوعية أيضاً. كنا نسأل الناس عن مشكلاتهم واحتياجاتهم اليومية. وكان مفتتح كل حوار معنا: "لو كنتَ مستشاراً غداً، ما هو أول شيء كنتَ ستغيّره؟". أردنا أن نمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، بدل الاكتفاء بإلقاء الخطب عليهم. ولذلك، ربطنا هذه الحوارات دوماً بمبادرات ملموسة، مثل تنظيم لقاءات محلية، أو تخصيص ساعات للاستشارات الاجتماعية.

فوزك هذا منح حزب "دي لينكه" أول مقعد مباشر على الإطلاق من منطقة تقع في ألمانيا الغربية. كيف تمكن الحزب في نويكولن من تجاوز الانقسام التقليدي بين شرق البلاد وغربها؟

كوتشاك: نحن متجذرون بعمق في الحي. أنا وُلدت وتربيت في نويكولن، وأعرف تماماً ما يقلق الناس هنا. حتى حين كنت عضواً في برلمان ولاية برلين، حرصت على ألا أنفصل عن السكان، وقررت أن أحدد راتبي الشهري بما يقارب 2,500 يورو – وهو ما أفعله الآن أيضاً في البوندستاغ. أعتقد أن سكان نويكولن قدّروا هذا الموقف، بالإضافة إلى مواقفنا الواضحة بشأن العدالة الاجتماعية، والقضايا الدولية، ومناهضة العنصرية. هذا ما جعلنا ننتصر – وهو أمر مذهل أن يتحقق في ألمانيا الغربية، بالنظر إلى الخلفية المعادية للشيوعية السائدة هنا.

نويكولن تُعدّ مركزاً للجالية الفلسطينية في برلين، ومقراً للعديد من المهاجرين الإسرائيليين اليساريين. ما تأثير الإبادة في غزة على المسلمين في الحي، وهل أثّرت على حملتك الانتخابية؟

كوتشاك: عليك أن تدرك أن الجالية الفلسطينية الأكبر في أوروبا تعيش هنا. نحن نتحدث عن آلاف الأشخاص الذين لديهم عائلات وأصدقاء في غزة والضفة الغربية وإسرائيل. لذلك، فإن جيراننا يعيشون في خوف دائم من فقدان أحبائهم في هذه الإبادة الجماعية. وهذا من الأسباب التي تدفعني للمطالبة بوقف فوري لها، كما أطالب ألمانيا بالتوقف عن تلبية طلبات نتنياهو.

لكن من المهم أن نُذكّر أيضاً بأن القيود المفروضة على الحقوق الأساسية للفلسطينيين هنا بدأت حتى قبل السابع من أكتوبر. ففي عام 2022، مُنعت كل التظاهرات المتعلقة بالنكبة لمدة شهر كامل. لهذا، كان شعارنا خلال الحملة: نطالب بوقف إطلاق نار فوري، ونرغب أن يعيش الناس – هنا وهناك – بسلام، ونناضل من أجل الحق في التعبير عن الحزن والغضب في الفضاء العام.

هذا لا يعني أننا نتبنى كل ما يُقال في الشارع، بل إننا نناضل من أجل حقوق أساسية لا تُمنح تلقائياً، وخاصة للمهاجرين في نويكولن.

ما الدور الذي يمكن لليسار، في ألمانيا وإسرائيل، أن يلعبه في مواجهة الحكومات اليمينية في البلدين؟

كوتشاك: إحدى مهامنا الأساسية هي اجتثاث البيئة الاجتماعية التي تنمو فيها الفاشية. خلال الحملة، أجرينا مئات الحوارات مع أشخاص قالوا لنا إنهم كانوا يستطيعون شراء كيسين من المواد الغذائية في السابق بنفس المبلغ الذي لا يكفي اليوم سوى لكيس واحد. الناس ينفقون اليوم ربع، بل نصف دخلهم، على استئجارات الدور. هذا يترك أثراً عميقاً على الحياة اليومية.

صحيح أنه لا توجد علاقة تلقائية بين التفاوت الاجتماعي والنزوع إلى اليمين، كما يُدعى أحياناً، لكن من الضروري أن نواجه العنصرية، سواء لدى حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) أو لدى أحزاب اليمين في إسرائيل. علينا تشكيل تحالفات واسعة ضدها.

في ألمانيا، مثلاً، تمكن تحالف "Widersetzen" (المقاومة) من جمع نقابيين، وأُسر، وشبكات مهاجرين، واليسار، والخُضر، ونجح في الغاء مؤتمر حزب AfD. يجب ألا تكون مقاومتنا للفاشية اقتصادية بحتة أو أيديولوجية فقط؛ نحن بحاجة إلى مقاومة للفاشية تنطلق من الأحياء.

ما استراتيجية "دي لينكه" في مواجهة الحكومة الألمانية الجديدة، بقيادة اليمين؟

كوتشاك: لقد نجحنا في العودة إلى البرلمان بقوة يسارية متجددة، وهذا أمر بالغ الأهمية، لكنه لا يمثل حتى نصف المعركة. نحن نطمح إلى يسار جديد يجذب الناس الذين يريدون فعلاً النضال ضد الظلم الاجتماعي، والعنصرية، والحروب.

هذا يعني أننا لا نريد أن نكون مجرد نواب برلمانيين، بل معارضة شجاعة تنبع من الشارع. وهذا بالغ الأهمية في ظل مستشار محافظ مثل فريدريش ميرتس.

الحكومة الجديدة تريد تهيئة ألمانيا للحرب، وفي الوقت نفسه تطبق سياسة تقشف اجتماعي شرسة. المهاجرون واللاجئون يواجهون إجراءات أشد قسوة. الائتلاف الحاكم من CDU وSPD  يعمل على تعميق الانقسامات الاجتماعية، ويمنح بذلك زخماً لليمين المتطرف. أما نحن، فعلينا أن نستمد قوتنا من التضامن، ومن النضال في الأحياء، لبناء قوة مضادة حقيقية.

نُشرت المقابلة في موقع وصحيفة 'زو هديرخ'، وتمت ترجمتها في صحيفة الاتحاد

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

إصابة 3 نساء في انفجار سيارة في وادي عارة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

ألمانيا وإيطاليا ترفضان الانضمام إلى "مجلس السلام" برئاسة ترامب بصيغته الحالية

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

تقرير: ويتكوف وكوشنر يصلان غدًا إلى إسرائيل لإلزام نتنياهو بفتح معبر رفح

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

الناصرة: وقفة احتجاجية تتحول إلى مسيرة ضد تفشي الجريمة وتواطؤ الشرطة

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

تقرير: إسرائيل تسعى لضمان خروج فلسطينيين من غزة أكثر من العائدين عبر معبر رفح

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

دبابة إسرائيلية تطلق النار على قوة من الجيش اللبناني جنوب لبنان

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

فانس: تعزيزتنا العسكرية في المنطقة هي استعداد لاحتمال أن "يقوم الإيرانيون بشيء غبي للغاية"

featured
الاتحادا
الاتحاد
·23 كانون ثاني/يناير

المحكمة تفرض أمر حظر نشر على قضية متورط بها مدير مكتب نتنياهو