نشر موقع "كالكاليست"، اليوم الأربعاء تقريرا موسعا، نقلا عن مصادر "أمنية أمريكية" وجهات مطلعة، حول الأسباب الخفية والمفاجئة للتراجع الأمريكي، في شن الهجمات على الأهداف اليمنية، وإعلان الرئيس الأمريكي في السادس عشر من أيار/مايو 2025، بوقف عملية Rough Rider، حملة القصف الأمريكية-البريطانية في شمال اليمن. ووفقًا له، ناشدوه أنصار الله التوقف عن إمطارهم بالموت التكنولوجي الملتهب، مقابل توقفهم عن تهديد السفن في البحر الأحمر.
وسارع مؤيدو ترامب بالاحتفال عندها وبصفهم هذا الاعلان نصرا عسكريا واضحا يحل مشكلة دولية معقدة، وخطوة تُظهر دونالد كرجل حديدي ينجح حيث فشل سلفه، وتجعل الولايات المتحدة عظيمة مجدداً.
وفي إسرائيل، تساءل المحللون، لماذا لم يتضمن الاتفاق وقف إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاهنا، لكن المجتمع الدولي لم يبدُ متأثراً. الأهم، كما أمل الجميع، أن أنصار الله سيتوقفون عن مهاجمة خطوط التجارة.
واتفق محللون في إسرائيل وخارجها على أن السبب الحقيقي لوقف الهجمات كان اعتبارات براغماتية: فقد أدركت الاستخبارات الأمريكية أنه من دون معرفة أماكن اختباء قادة أنصار الله وأماكن تخزين صواريخهم، فإن حملة القصف محكوم عليها بالفشل؛ فدمار البنية التحتية لن يثنيهم، كما أن العملية ازدادت تكلفة: فقد خسر الأمريكيون عشرات الطائرات المسيرة الباهظة أثناء محاولات العثور على أهداف، وهو ما جعل الاستمرار هدراً للمال.
لذلك جاء ترامب وأوقف القصف – إذ لو قُصفت سفينة أمريكية وقُتل بحارة الأسطول، فإن الرأي العام الأمريكي سيطالب بالانتقام – وخاصة ناخبوه الجمهوريون. وقد أوضح البنتاغون للرئيس أنه لا يمكن الرد إلا بغزو شمال اليمن – وهو ما سيشوّه الصورة التي يحاول ترامب رسمها لنفسه: أنه بارع جداً في الصفقات لدرجة أنه لا يحتاج إلى خوض الحروب.
-
الليلة التي قلبت الموازين
وبحسب التقرير، فإن الشرارة التي دفعت الرئيس لاتخاذ القرار، بحسب مصدر في "جهاز الأمن الأمريكي"، كانت ليلة واحدة أدركت فيها الولايات المتحدة مدى الفجوة الكبيرة بين الربح والخسارة المحتملة – ليلة كادت فيها أن تفقد شيئاً مهماً بقدر حياة الإنسان، وربما أكثر.
بدأت ليلة 28 نيسان/أبريل كما هو مخطط لأسطول البحرية الأمريكية: مجموعة القتال لحاملة الطائرات ترومان كانت تهاجم أهدافاً شمال صنعاء وعلى طول الساحل، بواسطة تشكيلات رباعية من طائرات F-18.
وكانت قوة المهام تضم مدمرات سريعة من طراز Arleigh Burke وطراداً من طراز Ticonderoga يشكلان شاشة كشف ودفاع: جميعها مزودة برادارات قوية وحساسة قادرة على رصد التهديدات في الجو وعلى سطح الماء. إضافة إلى ذلك، كانت تحلق حول القوة دوريات من المقاتلات؛ وكانت المجموعة تتحرك ضمن حلقة دفاعية قطرها مئات الكيلومترات.
وكما حدث في أكثر من حالة مشابهة، رد أنصار الله بإطلاق النار؛ لكن كيف يمكنهم إصابة سفينة أمريكية؟ هناك ثلاث طرق لضرب السفن من مسافة بعيدة:
الأولى: طائرة مسيرة مفخخة مزودة بكاميرا. بعد رصد السفينة، تُطلق باتجاه مسارها لتصطدم بجسر القيادة وهي تحمل شحنة متفجرة بوزن 18 إلى 40 كغ.
الثانية: صواريخ كروز مضادة للسفن، تُطلق من الساحل، وتحلق بسرعة مئات الكيلومترات في الساعة على ارتفاع أمتار قليلة فوق الأمواج، لتصل إلى الهدف خفية اعتماداً على بيانات الرادار، ولا تشغّل رادارها إلا بالقرب منه لتصحيح المسار. هذا سلاح شديد الخطورة: فقد أصيبت به المدمرة إيلات التي غرقت في أكتوبر 1967، وكذلك السفينة حنيت في يوليو 2006.
لكن لأن هذا التهديد من أخطر ما يواجه السفن، طوّرت البحرية الأمريكية وسائل متعددة للتصدي له: منها المزج بين وسائل التضليل ومدافع Phalanx التي تقفل على الصاروخ فور ظهوره خلف الأفق وتفتح النار تلقائياً عند دخوله النطاق.
الصواريخ التي بيد أنصار الله من طرازات إيرانية يصل مداها حتى 1,000 كلم، ورغم صعوبة كشفها، إلا أن اعتراضها ليس صعباً إذا اكتُشفت في الوقت المناسب.
الطريقة الثالثة هي الورقة الرابحة في هذه القصة: الصواريخ الباليستية المضادة للسفن. هذا سلاح جديد نسبياً، يُطلق في مسار حاد نحو ارتفاع عالٍ ليصل إلى نقطة التقاء مع الهدف. وفي طريقه للهبوط يشغّل راداراً أو حساساً بصرياً لمعرفة موقع الهدف وإجراء التصحيحات اللازمة للإصابة.
وطوّر الإيرانيون هذه الصواريخ استناداً إلى صواريخ أرض-أرض قصيرة المدى من عائلة فاتح 110، وهي تُطلق من شاحنات يسهل خروجها من مخابئها، والحصول على بيانات الهدف من رادار قطاعي، ثم الإطلاق والانسحاب.
التحدي بالنسبة للبحرية الأمريكية هنا معاكس: فالكشف عن الصاروخ سهل بسبب بصمته الواضحة، لكن اعتراضه صداع كبير، إذ إنه يسقط بسرعة فوق صوتية، وصواريخ الدفاع الأمريكية معرضة للإخفاق في اعتراضه. كما أن ضربته أشد بكثير من المسيرات أو صواريخ الكروز، وضربة واحدة كفيلة بتعطيل مدمرة.
-
رغم خطورة التهديد، لم تُصب أي مدمرة. فما المختلف هذه المرة؟
بدأ أنصار الله بإطلاق هذه الصواريخ على سفن الأسطول الأمريكي ليلة 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ونجحت المدمرات في تفادي الإصابة واعتراض بعض الصواريخ. ومنذ ذلك الحين تكرر الأمر، ورغم خطورة التهديد، لم تُصب أي مدمرة. فما المختلف هذه المرة؟
المختلف أن أنصار الله لم يطلقوا النار على مدمرة سريعة هذه المرة: فبفضل معلومات استخباراتية مجهولة المصدر – ربما روسية أو إيرانية – تمكنوا من تحديد موقع حاملة الطائرات ترومان، وأمطروها بالصواريخ في مسارها.
ويمتلك أنصار الله عدة طرازات من هذه الصواريخ الإيرانية، وأخطرها خليج فارس، الذي يصل مداه إلى أقل من 300 كلم ويحمل رأساً حربياً بوزن 650 كغ، ويضرب بسرعة فوق صوتية بدقة تُقدر بحوالي 50 متراً – وهي قيمة تقريبية لا تأخذ في الحسبان التشويشات.
ضربة كهذه على سطح حاملة طائرات مليء بالمقاتلات، بعضها مزود بالوقود، ستتسبب بكارثة هائلة: كل من هو على قيد الحياة – ولم تلتهمه النيران – سينشغل فقط بإطفاء الحرائق والإنقاذ، وستكاد ترومان تتوقف عن العمل. سيتجه باقي الأسطول لمساعدتها ولن يواصل الهجوم في اليمن، ويمكن رؤية هذا الإخفاق بوضوح من مسافة بعيدة.
عند فتح النار على السفينة ترومان، واجهت السفن المحيطة بها صعوبة في الدفاع عنها، ويبدو أن عدة صواريخ اخترقت طبقة الحماية الصاروخية للمدمرات؛ ولا يُعرف إن كان السبب تركيز النيران، أو نمط الإطلاق، أو عمليات التضليل بمشاركة المسيرات كما فعل الحوثيون في السابق.
ما هو معروف أن السفينة الضخمة بدأت بالمناورة بأقصى طاقتها لتفادي النيران اليمنية. كيف بدا الأمر؟ ضابط في البحرية الأمريكية قال لشبكة CNN إن مناورات التفادي لحاملة طائرات تشمل انحرافات بزاوية 30 إلى 40 درجة لكل جانب مراراً، وقد يميل السطح حتى 20 درجة.
ومناورات ترومان كانت حادة جداً: لدرجة أن إحدى طائراتها F-18 انفصلت عن كوابلها وسقطت من السطح إلى المياه؛ 70 مليون دولار غرقت في المياه.
هنا التقطت وسائل الإعلام العالمية الحادثة: حيث أعلنت البحرية أن طائرة سقطت أثناء مناورة تفادي، دون التوسع في التفاصيل. لكن في الكواليس، بدأ خبراء الأسطول بمراجعة سجلات الرادار لتحليل حركة صواريخ اليمن، ثم إعادة رسم الأنماط، وتصحيح الإحصاءات، وتحديث تقييمات المخاطر. وبعد الانتهاء، أبلغوا الأدميرالات: في المرة القادمة قد تُصاب.
وفي هذه اللحظة أدرك المستوى العسكري كيف يقنع فريق الرئيس بأن هناك خطراً ليس فقط على السفينة أو المصالح الأمريكية – بل على قدرة القوة العظمى على إظهار قوتها للخارج. وفريق ترامب فهم سريعاً أن هناك احتمالاً لأضرار كبيرة داخلياً أيضاً: صورة حاملة الطائرات ترومان، رمز القوة الأمريكية، وهي تُسحب جريحة إلى أقرب ميناء، ستكون كارثة علاقات عامة.
ستبدو الولايات المتحدة ضعيفة ومشوشة، وسرعان ما خرج بيان: "الحوثيون طلبوا مني التوقف"، وهو بيان قد يكون فاجأ الحوثيين أنفسهم.
لكن الحوثيين، أذكياء وبراغماتيون أيضاً، اغتنموا هذه الفرصة بكلتا يديهم؛ فحتى وإن لم تفقدهم الغارات الأمريكية قدراتهم، كانوا سعداء بالتخلص من هذا التهديد.
لم يكن بإمكانهم معرفة إن كان الأمريكيون يمتنعون عن استهداف قادتهم بدافع الضرورة أم الاختيار، ولم يرغبوا في المخاطرة. أو على الأقل، هكذا بدا الأمر لمدة شهرين؛ ففي بداية يوليو، هوجمت سفن مجدداً في البحر الأحمر.



.jpg)