تشير مسودات مسرّبة من تقارير وزارة الخارجية الأميركية السنوية حول حقوق الإنسان، كشفتها صحيفة "واشنطن بوست" اليوم، إلى أن إدارة ترامب تعتزم تقليص الانتقادات التي توجهها الحكومة الأميركية لبعض الدول الأجنبية ذات السجلات الواسعة في الانتهاكات.
المسودات الخاصة بتقارير حقوق الإنسان لكل من السلفادور وإسرائيل وروسيا، والتي اطّلعت عليها صحيفة واشنطن بوست، أقصر بكثير من تلك التي أعدّتها إدارة بايدن في العام الماضي. وقد حُذفت منها جميع الإشارات إلى أفراد مجتمع الميم أو الجرائم ضدهم، كما تم تخفيف لهجة الأوصاف المتبقية لانتهاكات الحكومات.
وفقا للصحيفة، تؤكد المسودات المسرّبة الخاصة بالسلفادور وإسرائيل وروسيا أن إدارة ترامب تعيد النظر جذريًا في دور الولايات المتحدة في الدفاع عن حقوق الإنسان على المستوى العالمي. كما أن هذه الوثائق تتماشى مع توجيهات داخلية تم تعميمها في وقت سابق من هذا العام من قبل قادة وزارة الخارجية، والذين نصحوا الموظفين باختصار التقارير إلى الحد الأدنى المطلوب وفق الإرشادات القانونية والأوامر التنفيذية الموقعة من الرئيس دونالد ترامب، وإزالة الإشارات إلى الفساد الحكومي والجرائم المبنية على النوع الاجتماعي وسواها من الانتهاكات التي دأبت الحكومة الأميركية تاريخيًا على توثيقها.
ورفضت وزارة الخارجية التعليق على الأسئلة المتعلقة بالوثائق التي راجعتها الصحيفة.
وقال مسؤول رفيع في الوزارة، تحدث بشرط عدم الكشف عن اسمه للإعلام، يوم الأربعاء: "تمت إعادة هيكلة تقرير حقوق الإنسان لعام 2024 بطريقة تزيل التكرار، وتزيد من سهولة القراءة، وتتماشى بشكل أفضل مع التفويض التشريعي الذي يستند إليه التقرير". وأضاف: "يركز تقرير حقوق الإنسان على القضايا الجوهرية".
وأوضح هذا المسؤول أن إدارة ترامب ستمنح تركيزًا جديدًا لبعض القضايا، بما في ذلك التراجع في حرية التعبير في بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة، حتى في الوقت الذي تواجه فيه الإدارة انتقادات داخلية في مجال حرية التعبير، بسبب سعيها لترحيل أجانب يدرسون في الولايات المتحدة بعد أن انتقدوا سلوك إسرائيل في غزة.
ولما يقرب من 50 عامًا، عمل دبلوماسيون أميركيون على إعداد التقارير السنوية لوزارة الخارجية حول حقوق الإنسان. وتُعتبر هذه التقارير الأكثر شمولًا وتفصيلًا من نوعها، وغالبًا ما تعتمد عليها المحاكم داخل الولايات المتحدة وخارجها.
تُفرض على وزارة الخارجية، بموجب تفويض من الكونغرس، مسؤولية إرسال هذه التقارير إلى المشرعين بحلول نهاية فبراير. وعادة ما يتم إصدارها علنًا في مارس أو أبريل.
ولم تُصدر الوزارة بعد تقارير هذا العام رسميًا، والتي تغطي النشاطات والملاحظات المسجلة في عام 2024. ويقول مسؤولون حاليون وسابقون إن معظم تقارير هذا العام كانت شبه مكتملة عند انتقال السلطة من إدارة بايدن في يناير.
تم تصنيف المسودات الخاصة بالسلفادور وروسيا على أنها "منتهية"، بينما وُصفت مسودة تقرير إسرائيل بأنها "قيد التحقق من الجودة". تُظهر الوثائق أن جميعها تم تعديلها خلال الأيام القليلة الماضية. ومن غير الواضح ما إذا كانت النسخ النهائية التي سترسل إلى الكونغرس وتنشر علنًا ستتطابق مع هذه المسودات.
تضمنت التوجيهات الداخلية التي عممتها قيادة الوزارة هذا العام تعليمات للدبلوماسيين المسؤولين عن صياغة التقارير بإزالة الإشارات إلى العديد من الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان، بما في ذلك ترحيل الحكومات لأشخاص إلى دول قد يتعرضون فيها للتعذيب، والجرائم التي تشمل العنف ضد أفراد مجتمع الميم، والفساد الحكومي.
ورغم أن التقارير الثلاثة لا تزال تتناول انتهاكات حقوق الإنسان في تلك الدول، إلا أن كلًّا منها تم اختصاره بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي، كما أُدخلت تغييرات ملحوظة على لغة الوصف الخاصة بالانتهاكات المزعومة. فعلى سبيل المثال، يبلغ طول المسودة المعدة لإسرائيل 25 صفحة؛ بينما تجاوز تقرير العام الماضي 100 صفحة.
تم تقليص التدقيق في قضايا الفساد واستقلال القضاء بشكل ملحوظ في مسودة التقرير الخاصة بإسرائيل. كان تقرير 2023 الذي أعدته إدارة بايدن قد تطرق إلى محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتهم فساد، ومساعي الحكومة لإعادة هيكلة القضاء، وهي جهود يعتبرها المنتقدون تهديدًا لاستقلال القضاء في البلاد. إلا أن مسودة إدارة ترامب لا تذكر شيئًا عن قضايا الفساد أو التهديدات لاستقلال القضاء الإسرائيلي.
كما كانت تقارير حقوق الإنسان السابقة قد أشارت إلى مراقبة إسرائيل للفلسطينيين وفرض قيود على حركتهم، بما في ذلك نتائج توصلت إليها منظمة العفو الدولية بشأن استخدام إسرائيل "نظام تجريبي للتعرف على الوجوه بهدف تتبع الفلسطينيين وفرض قيود على تنقلهم". وهذه القضية لم تذكر في مسودة التقرير.
ولم ترد السفارة الإسرائيلية بدورها على طلب للتعليق.
تشير المسودات التي راجعتها الصحيفة إلى غياب كامل للإشارة إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي أو العنف ضد مجتمع الميم. وقالت كيفر باكينغهام، التي عملت على هذه القضايا في وزارة الخارجية حتى يناير، إن هذا الغياب يُعد "تغافلًا صارخًا"، لا سيما في حالة روسيا، حيث حظرت المحكمة العليا هناك منظمات الميم وصنّفتها كـ"متطرفة"، وقامت بشنّ مداهمات واعتقالات العام الماضي.
ولم ترد السفارة الروسية أيضًا على طلب للتعليق.
وانتقدت باكينغهام وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي كان لسنوات عديدة في مجلس الشيوخ مدافعًا صريحًا عن حقوق الإنسان.
وكان روبيو، خلال عمله في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قد أشاد بالتقارير السنوية لحقوق الإنسان الصادرة عن وزارة الخارجية. ففي عام 2012، قال إن "العالم أصبح مكانًا أفضل على مدى قرنين لأن أميركا سعت للدفاع عن هذه الحقوق الأساسية في الداخل والخارج".
وأضاف في بيان آنذاك أن "تقرير وزارة الخارجية السنوي لحقوق الإنسان يسلّط الضوء على فشل الحكومات الأجنبية في احترام الحقوق الأساسية لمواطنيها"، مؤكدًا على أهمية أن يعرف العالم أن "الولايات المتحدة ستقف إلى جانب الشعوب الساعية إلى الحرية حول العالم، ولن تتسامح مع انتهاك حقوقهم".
وقد تزامن هذا التحول في دور الولايات المتحدة في تعزيز حقوق الإنسان مع تغيّر في نهجها المتعلق بالترويج للديمقراطية. ففي برقية أُرسلت في يوليو، وجّه روبيو تعليمات إلى الدبلوماسيين بعدم التعليق علنًا على الانتخابات في الدول الأخرى، بما في ذلك التقييمات بشأن ما إذا كانت "حرة ونزيهة"، إلا في حال وجود "مصلحة واضحة ومُلِحّة للسياسة الخارجية الأميركية" تبرر ذلك.







