شفت وكالة رويترز في تحقيق موسّع أن شركة تأمين صغيرة مقرها نيوزيلندا تُدعى ماريتايم ميوتشوال (Maritime Mutual) لعبت دورًا محوريًا في تأمين ناقلات النفط الإيرانية والروسية الخاضعة للعقوبات الغربية، ما ساعد على استمرار تجارة بمليارات الدولارات رغم القيود الدولية المفروضة على طهران وموسكو. التحقيق، الذي اعتمد على آلاف السجلات والوثائق، يوضح كيف أصبحت هذه الشركة المغمورة حلقة أساسية في “أسطول الظل” الذي ينقل النفط المحظور متجاوزًا العقوبات.
تدير الشركة عائلة بريطانية بقيادة بول رانكن (75 عامًا)، وقدمت على مدى عقدين تغطية لمجموعة واسعة من السفن التجارية.وفقًا للبيانات، وفرت الشركة التأمين لما يقرب من سدس “أسطول الظل” — وهو الأسطول الذي يضم مئات الناقلات التي تنقل النفط من دول خاضعة للعقوبات كإيران وروسيا وفنزويلا، وتخفي هويتها من خلال تغيير الأسماء والرايات وإخفاء مواقعها.
من خلال تحليل آلاف السجلات البحرية والصفقات النفطية، حددت رويترز أن "ماريتايم ميوتشوال" أمنت أكثر من 230 ناقلة نفط منذ عام 2018، منها 130 ناقلة حملت نفطًا إيرانيًا أو روسيًا بعد فرض العقوبات. ووفقًا لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف في هلسنكي، فقد شحنت هذه السفن ما لا يقل عن 35 مليار دولار من منتجات الطاقة المحظورة.
يقول الخبير الأمريكي في شؤون العقوبات ديفيد تانينباوم إن هذه الأرقام تجعل الشركة “من اللاعبين الكبار في الاقتصاد الموازي للعقوبات”، مشيرًا إلى أن حجم تغطيتها يتجاوز حتى شركات كبرى في القطاع البحري.
وتعتمد أنشطة “أسطول الظل” على شركات تأمين كهذه لتأمين السفن ودخولها الموانئ. فبدون وثيقة تأمين حماية وتعويض (P&I Insurance)، لا يمكن لأي ناقلة أن تعمل أو تفرغ حمولتها، حتى في الموانئ الإيرانية أو الروسية.
تخضع الشركة حاليًا لتحقيق دولي تشارك فيه نيوزيلندا والولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وسط شبهات بأنها سهلت التحايل على العقوبات وتمويل تجارة غير قانونية بالنفط. ففي أكتوبر 2024، داهمت الشرطة النيوزيلندية مكاتب الشركة في أوكلاند وكرايستشيرش وصادرت وثائق وسجلات مالية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن التحقيق يركّز على ما إذا كانت الشركة قد قدمت تغطية لسفن مدرجة على القوائم السوداء، أو تلك التي نقلت نفطًا بسعر أعلى من السقف السعري المفروض من مجموعة السبع على النفط الروسي (60 دولارًا ثم 47.6 دولارًا لاحقًا).
ورغم نفي الشركة “بشكل قاطع” أي انتهاك للعقوبات الدولية، إلا أنها اعترفت لاحقًا بإلغاء التأمين عن 92 ناقلة منذ 2022 بعد إدراجها في قوائم العقوبات. مع ذلك، عثرت رويترز على وثائق تؤكد أن بعض السفن، مثل الناقلة "صن سي" و"فنغهوانغ"، كانت مؤمنة من قبل الشركة حتى بعد إدراجها على القوائم السوداء.
تكشف الوثائق أن ماريتايم ميوتشوال تعتمد في تقليل مخاطر التعويضات على شركات إعادة تأمين كبرى في أوروبا، أبرزها ميونيخ ري وهانوفر ري الألمانيتان، ولويدز لندن، وMS Amlin البريطانية. ويثير هذا التعاون تساؤلات حول مدى تورط هذه الشركات بشكل غير مباشر في تغطية ناقلات النفط المحظورة.
يقول المحامي البريطاني وليد طاهرخلي، المتخصص في قضايا العقوبات، إن “شركات إعادة التأمين التي تعاملت مع ماريتايم ميوتشوال قد تواجه مسؤولية قانونية إذا ثبت أنها ساعدت في تغطية كيانات خاضعة للعقوبات”.
ورغم أن معظم هذه الشركات التزمت الصمت، فقد أكدت شركة أتريوم البريطانية أنها كانت تقدم خدمات إعادة تأمين لـماريتايم ميوتشوال لكنها أنهت العلاقة مؤخرًا.
منذ تأسيسها عام 2004، اتُهمت الشركة بتقديم تغطية لسفن كورية شمالية، وفق برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة ونشرها ويكيليكس. وفي 2016، قبل عامين من إعادة فرض العقوبات على إيران، ظهرت إعلانات على مواقع إيرانية تروّج للشركة باسم "نادي الحماية والتعويض النيوزيلندي"، وتُظهر تعاونًا مع شركة شحن إيرانية تُدعى شيراز مارين.
وبعد عودة العقوبات الأمريكية على إيران عام 2018، تضاعفت إيرادات الشركة أربع مرات لتصل إلى 108 ملايين دولار عام 2023، بالتزامن مع انتعاش صادرات النفط الإيراني التي بلغت 42 مليار دولار في العام نفسه، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
الشركة نفت أي تعاون مع إيران، وادعت أن نمو إيراداتها جاء بسبب “توسيع حجم السفن المغطاة” وليس من التعامل مع ناقلات خاضعة للعقوبات. لكن وثائق رويترز أظهرت وجود عشرات السفن المؤمنة من قبلها والتي نقلت نفطًا إيرانيًا أو روسيًا.
واحدة من أبرز نقاط الضعف التي كشفها التحقيق هي أن ماريتايم ميوتشوال لم تكن تخضع فعليًا لرقابة السلطات النيوزيلندية، إذ لم تمتلك ترخيصًا رسميًا لبيع التأمين داخل البلاد رغم تسجيلها هناك. كما لا تنشر الشركة أي قائمة بالسفن التي تؤمنها، ولا تشارك بياناتها مع الجهات العالمية مثل ستاندرد آند بورز أو لويدز ليست.
في أكتوبر 2024، تلقى البنك المركزي النيوزيلندي شكوى رسمية تطالب بالتحقيق في نشاط الشركة، بحجة أنها تستخدم عنوانها في أوكلاند لإضفاء “الشرعية” على أنشطة تخالف العقوبات. ورد البنك بأنه فتح تحقيقًا بالتعاون مع شركاء دوليين، مؤكدًا أن نيوزيلندا تتوقع من جميع شركاتها “الامتثال الكامل للعقوبات على إيران وروسيا”.
رصدت منظمة غلوبال فيشينغ ووتش غير الحكومية 274 حالة تلاعب في أنظمة التتبع الآلي للسفن المؤمنة من ماريتايم ميوتشوال بين عامي 2021 و2025، عبر تعطيل الإشارات أو إرسال بيانات مزيفة، بهدف إخفاء تحركاتها.
يقول المحلل البحري في المنظمة بيورن بيرغمان: “من المدهش أن شركة من دولة حليفة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تؤمن هذا العدد من السفن التي تتعمد إخفاء مواقعها”.
تؤمن الشركة اليوم نحو 6000 سفينة حول العالم، منها ما يقرب من 480 ناقلة نفط. وتشير مراجعة رويترز إلى أن العديد منها خضع لاحقًا لعقوبات أمريكية أو أوروبية. ومع ذلك، لم تُوجه أي تهم رسمية حتى الآن ضد الشركة أو مالكيها.
لكن البيانات تظهر أن أرباحها تضاعفت أكثر من سبع مرات منذ فرض العقوبات على إيران، ما يشير إلى استفادتها المباشرة من ازدهار تجارة “النفط الرمادي”.
ورغم نفيها أي دور في انتهاك العقوبات، فإن الوثائق المسربة والتحقيقات الجارية تكشف أن ماريتايم ميوتشوال كانت عنصرًا أساسيًا في شبكة مالية وتأمينية عالمية مكّنت إيران وروسيا من الالتفاف على القيود الغربية، وأضعفت فعالية العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهما.






