تشهد منطقة الشرق الأوسط في الأسبوعين الأخيرين أكبر عملية انتشار للقوات الهجومية الأمريكية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وفقاً لما كشفه تحقيق خاص بصحيفة "هآرتس" استناداً إلى تحليل معطيات طيران علنية. وقد نشرت الولايات المتحدة في المنطقة أسراباً من الطائرات المقاتلة والقاذفات الشبحية وكميات ضخمة من العتاد العسكري، في ظل الهجمات المكثفة في اليمن واقتراب انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران بشأن برنامجها النووي.
وتُظهر بيانات الطيران أن ما لا يقل عن 140 طائرة نقل ثقيل حطّت خلال شهر مارس في كل من قطر، البحرين، الإمارات، السعودية، الكويت والأردن، قادمة من قواعد أمريكية مركزية. وتشير الإشارات التي بثتها هذه الطائرات أثناء تحليقها إلى أن معظمها كانت محمّلة بمعدات عسكرية. وقد كشفت صحيفة "هآرتس" الأسبوع الماضي عن هذه التعزيزات العسكرية غير المسبوقة.
منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل من جهة وحماس وحزب الله من جهة أخرى، نشرت الولايات المتحدة قوات كبيرة في الشرق الأوسط، وأطلقت جسراً جوياً ضخماً من العتاد والسلاح إلى إسرائيل، خاصة في بداية الحرب، وكذلك خلال الهجومين الصاروخيين الإيرانيين في أبريل وأكتوبر الماضيين. إلا أن بيانات شهر مارس تشير إلى أن حجم الرحلات الجوية العسكرية الأمريكية قد ارتفع بنسبة تقارب 50% مقارنة بأعلى معدل شهري مسجل.
ورافقت طائرات التزود بالوقود طائرات الشحن في إيصال أعداد كبيرة من المقاتلات الجوية إلى المنطقة، قادمة من قواعد في الولايات المتحدة وأوروبا. ومن بين هذه التعزيزات، سُجل تمركز سرب من طائرات الهجوم الأرضي A-10 في الأردن، ووصول مقاتلات شبحية من طراز F-35 إلى السعودية، كما أظهرت صور أقمار صناعية لقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي انتشار ما لا يقل عن ست قاذفات شبح من طراز B-2. وقد التُقطت إشارات لمزيد من القاذفات في طريقها إلى القاعدة، ويُرجّح أن بعضها مخزَّن في قواعد مموّهة لا ترصدها الأقمار الصناعية، ما يمثل نحو ثلث أسطول القاذفات الشبحية الأمريكية.
تقع قاعدة دييغو غارسيا في قلب المحيط الهندي، وقد استخدمتها الولايات المتحدة سابقاً كنقطة انطلاق لقصف أهداف في أفغانستان والعراق. وتبعد القاعدة حوالي 4000 كيلومتر عن إيران واليمن، ما يجعلها موقعاً مناسباً لتنفيذ ضربات واسعة النطاق، وخارج مدى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية. وكان سلاح الجو الأمريكي قد استخدم قاذفات B-2 في أكتوبر الماضي لقصف مستودعات أسلحة تحت الأرض في اليمن.
كما وصلت أكثر من عشرين طائرة شحن من اليابان وقاعدة الدفاع الجوي في "فورت سيل" بالولايات المتحدة، ويُعتقد أنها حملت أنظمة دفاعية متقدمة مثل "باتريوت" و"ثاد" لتعزيز الدفاعات الأمريكية في منطقة الخليج تحسّباً لهجوم إيراني محتمل. ومنذ أكتوبر الماضي، نُصبت بطارية "ثاد" أمريكية في إسرائيل، دعماً لمنظومة "حيتس" التي اعترضت سبعة صواريخ باليستية على الأقل أُطلقت من اليمن.
وحطت طائرات شحن إضافية في جيبوتي وعلى سواحل البحر الأحمر في السعودية، حيث تتمركز في الأشهر الأخيرة مجموعة الهجوم التابعة لحاملة الطائرات "هاري ترومان"، والتي تشارك طائراتها في غارات منتظمة على أهداف في اليمن. وتشير تقارير أمريكية إلى إرسال مجموعة هجومية ثانية تابعة لحاملة الطائرات "كارل فينسن"، الموجودة حالياً في المحيط الهادئ، باتجاه الخليج أيضاً.
ووفقاً لبيانات الطيران المتاحة، شهد شهر مارس أيضاً ارتفاعاً طفيفاً في عدد الرحلات الأمريكية إلى إسرائيل، وكذلك في الرحلات الإسرائيلية المتجهة إلى الولايات المتحدة وأوروبا لجلب الذخائر. ووصل أمس إلى إسرائيل قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال مايكل كوريلا، في زيارة رسمية للقاء قيادات الجيش الإسرائيلي. ويزور كوريلا إسرائيل بوتيرة شهرية تقريباً، لكن زيارته الأخيرة تأتي على خلفية التصعيد العسكري الذي تشهده قيادته، وعلى وقع التهديدات المتبادلة بين الرئيس ترامب وإيران.
وفي نهاية الأسبوع، صرح الرئيس الأمريكي قائلاً: "إذا لم توقع إيران على اتفاق (نووي)، فستشهد قصفاً لم ترَ مثله من قبل". وردت طهران بأنها "لن تتفاوض تحت الضغط، وستعرف كيف ترد على أي اعتداء". رغم ذلك، يبدو أن قناة تفاوضية غير علنية لا تزال مفتوحة، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى استئناف المحادثات.


.png)


