تجسد مسيرة "نهلة عماد" المهنية، التي تمتد لـ 16 عاماً داخل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية "تيدا" في مصر، قصة تحول جذري في مفهوم المناطق الصناعية.
فبالنسبة لنهلة، وللكثير من المصريين، لم يكن مألوفاً أن تتحول منطقة صناعية إلى مدينة عصرية متكاملة. وتستذكر نهلة، التي تشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لشركة "تيدا – مصر" لتطوير المنطقة الاقتصادية، كيف كان موقع المنطقة القريب من قناة السويس مجرد صحراء جرداء عند رؤيته لأول مرة في نهاية العام 2009، بينما يضج اليوم بالوحدات التجارية.
ويصادف الـ21 من يناير الذكرى العاشرة لإطلاق المرحلة الثانية من منطقة التعاون، التي تحولت على مدار عقد من الزمان إلى نموذج رائد لشراكات "الجنوب العالمي".
مشروع رائد
وفي السياق ذاته، تؤكد وي نا، الزميلة الصينية لنهلة والتي تعمل في المنطقة منذ 18 عاماً، على حجم النمو المتسارع؛ حيث استقبلت المنطقة أكثر من 300 وفد تجاري في العام 2024، ليرتفع هذا العدد إلى أكثر من 500 وفد في العام 2025.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن المشروع حقق تقدماً مطرداً؛ فبحلول نهاية العام 2025، استضافت المنطقة ما يقرب من 200 شركة، باستثمارات تجاوزت 3.8 مليار دولار أمريكي، مما ساهم في خلق حوالي 10 آلاف فرصة عمل.
وتبرز في المنطقة أسماء صناعية كبرى مثل شركة "جوشي مصر"، التي وضعت مصر في المركز الرابع عالمياً في إنتاج الألياف الزجاجية، وشركة ((XD-EGEMAC)) التي مكنت التصنيع المحلي للمعدات الكهربائية ذات الجهد العالي.
وسلط رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وليد جمال الدين، الضوء على القيمة المضافة لمنطقة التعاون، موضحاً أن المنطقة الاقتصادية للقناة جذبت استثمارات إجمالية بلغت 11.6 مليار دولار خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، حيث مثل المستثمرون الصينيون نحو 50 بالمائة من هذا الإجمالي.
وأضاف أنه بحلول نهاية العام 2025، ساهمت منطقة التعاون بنحو 310 ملايين دولار في إيرادات الضرائب المحلية، وحققت مبيعات تجاوزت 6.6 مليار دولار.
محرك لتعميق الروابط
خلال قمة تيانجين لمنظمة شنغهاي للتعاون العام الماضي، وصفت الصين منطقة التعاون بأنها "محرك لروابط أعمق" مع مصر، في ظل علاقة الأخوة والدعم الراسخ بين البلدين.
وترتبط منطقة التعاون في مصر ارتباطاً وثيقاً ببلدية تيانجين الصينية، والتي غالباً ما يُشار إليها باسم "تيدا" وهو اختصار لـ "منطقة تيانجين للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية".
وقد بدأت المسيرة في التسعينيات بخطة صينية لمساعدة مصر في بناء منطقة اقتصادية بالسويس، حيث بدأت المرحلة الأولى في 2008 على مساحة 1.34 كيلو متر مربع، تلتها المرحلة الثانية في 2016 بمساحة 6 كيلو متر مربع.
لم تكن "تيدا" بالنسبة للعديد من المصريين مجرد جهة توفر فرص عمل فحسب، بل مثلت نافذة أطلوا من خلالها على الحداثة.
وتقول مريم إبراهيم، العاملة في شركة ((ميديا - مصر)) للأجهزة المنزلية"، إن "تيدا" توفر غسالات أطباق بأسعار معقولة ومصنوعة محلياً، وتعد مجموعة ((ميديا)) الصينية الرائدة عالمياً أول من أنشأ مصنعاً ذكياً لغسالات الأطباق في مصر، مما عزز الجودة وخفض التكاليف.
وأكد يانغ يانغ، مدير العمليات والموارد البشرية في الشركة الصينية، أن المكونات الأساسية مثل أرفف الأطباق، والأجزاء المطلية والقطع البلاستيكية، باتت تُنتج بشكل مستقل في مصر، مع وجود شركات مساندة محلية تتحسن قدراتها التصنيعية تدريجياً.
وتضم المنطقة في مصر اليوم منظومة صناعية متنوعة؛ حيث نجحت في بناء مجموعات رائدة في مجالات الخدمات اللوجستية الجمركية، ومواد البناء الحديثة، والمعدات البترولية والكهربائية، وتصنيع الآلات، والمنسوجات، والكيماويات، والطاقة المتجددة، والأجهزة المنزلية.
ومن الأمثلة البارزة شركة ((سايلون تاير)) الصينية التي دخلت المنطقة في 2025، وأوضح لي داي شين، رئيس مجلس إدارة شركة ((تيدا الصينية-الأفريقية المحدودة للاستثمار))، والتي تعمل على تطوير المنطقة الاقتصادية في مصر، أن وجود شركة ((سايلون تاير)) يعالج فجوة واضحة في السوق المصري الذي يضم عشرات الملايين من المركبات.
وقال لي "من خلال تطوير مرافق لوجستية جمركية حديثة، فإننا نوفر منصة انطلاق حيوية للشركات للتوسع دولياً".
وعلى صعيد اللوجستيات، وُضع مستودع "تيدا رويال" الجمركي قيد الاستخدام في ديسمبر 2020. وفي الوقت نفسه تقريباً، افتُتحت أيضاً "ورش لوبان" في مصر، مما منح منطقة التعاون دوراً إضافياً كقاعدة للتدريب. و"ورش لوبان" هي مشروع مدعوم من مدينة تيانجين الصينية، ويركز على التعاون الدولي في مجال التدريب المهني.
كما أمنت منطقة "تيدا" أول قرض خارجي كبير لها بالعملة الصينية (اليوان)، ووقعت مذكرات تعاون مع أنظمة مثل نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود، بهدف تحويل المنطقة إلى مركز إقليمي لتسوية المعاملات باليوان الصيني.






.jpg)

.jpg)