أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف الحملة العسكرية المكثفة ضد جماعة الحوثي في اليمن بعد ثلاثين يوماً فقط من انطلاقها، رغم عدم تحقيق الأهداف المعلنة للعملية، وعلى رأسها تحييد تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر. الحملة، التي أُطلق عليها اسم "عملية الفارس الخشن"، شهدت إسقاط طائرات أميركية مسيّرة، إصابات في صفوف الطيارين، وخسائر مالية تجاوزت المليار دولار، دون أن تنجح في فرض تفوق جوي أو كبح قدرات الحوثيين، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
ويقول التقرير إن إعلان نهاية الحملة، جاء وسط انقسام داخل الإدارة الأميركية، وقلق من استنزاف الموارد الاستراتيجية في ظل التوترات مع الصين، إذ اختار ترامب إنهاء الحملة عبر صفقة غير معلنة بوساطة عمانية، تضمن التزام الحوثيين بعدم استهداف السفن الأميركية. ومع ذلك، استمرت الجماعة في مهاجمة أهداف أخرى، بما في ذلك إطلاق صاروخ باليستي على إسرائيل، ما أثار شكوكاً حول جدوى القرار الأميركي ومدى صموده على المدى القريب.
ووفق التقرير، عندما وافق الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل شهرين على إطلاق حملة عسكرية لإعادة فتح خطوط الشحن في البحر الأحمر عبر قصف جماعة الحوثي المسلحة وإجبارها على التراجع، كان يطمح إلى رؤية نتائج ملموسة خلال 30 يوماً من الضربات الأولى. لكن بحلول اليوم الـ31، وبينما أبدى ترامب، المعروف بنفوره من التورط العسكري الطويل في الشرق الأوسط، نفاد صبره، طالب فريقه الأمني بتقرير تقدّم. غير أن الحصيلة لم تكن كما توقع. فلم تتمكن الولايات المتحدة حتى من فرض تفوق جوي على الحوثيين. وما تكشّف بعد شهر من الحملة المكثفة لم يكن سوى تدخل عسكري أميركي جديد، مكلف وغير حاسم.
ووفق التقرير، خلال هذا الشهر، أسقط الحوثيون عدداً من طائرات "إم كيو-9 ريبر" الأميركية بدون طيار، وواصلوا استهداف السفن في البحر الأحمر، بما فيها حاملة طائرات أميركية. كما استنزفت الضربات الأميركية الذخائر بمعدل تجاوز مليار دولار في الشهر الأول. وزاد الطين بلة، أن طائرتين من طراز "F/A-18 Super Hornet"، بقيمة 67 مليون دولار لكل منهما، سقطتا عرضاً في البحر من على متن الحاملة "هاري إس. ترومان". في تلك المرحلة، بدا أن ترامب قد ضاق ذرعاً.
ووفق الصحيفة، ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط والذي كان يشارك في مفاوضات نووية مع إيران بوساطة عمانية، نقل للبيت الأبيض اقتراحاً عمانياً اعتُبر مخرجاً مثالياً لترامب: وقف القصف مقابل امتناع الحوثيين عن استهداف السفن الأميركية، دون التزام منهم بوقف الهجمات على السفن التي يرون أنها تدعم إسرائيل. في 5 أيار/مايو، تلقى "القيادة المركزية الأميركية" أمراً مفاجئاً من البيت الأبيض بـ"تجميد" العمليات الهجومية.
وبإعلان وقف القتال، بدا ترامب وكأنه يُبدي إعجاباً ما بجماعة الحوثي رغم وعوده السابقة بـ"إبادتهم بالكامل". وقال: "لقد ضربناهم بقوة، وكان لديهم قدرة عظيمة على التحمل... يمكن القول إنهم أظهروا الكثير من الشجاعة". وأضاف: "لقد أعطونا كلمتهم بعدم مهاجمة السفن، ونحن نحترم ذلك". لكن سرعان ما عاد الحوثيون لإطلاق صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل يوم الجمعة، ما أدى إلى إطلاق صفارات الإنذار في شواطئ تل أبيب. وقد تم اعتراض الصاروخ بواسطة الدفاعات الجوية الإسرائيلية.
ووفق التقرير، يعكس هذا الإعلان المفاجئ عن "الانتصار" مدى سوء تقدير بعض أعضاء الفريق الأمني لترامب لقوة الحوثيين وقدرتهم على الصمود. الجنرال مايكل كوريلّا، قائد القيادة المركزية، كان من أشد المؤيدين للحملة القوية ضد الحوثيين، وقد حظي في البداية بدعم وزير الحرب ومستشار الأمن القومي، إلا أن الحوثيين كانوا قد عززوا تحصيناتهم ومخازن أسلحتهم. كما أخطأ الفريق الأمني في تقدير مدى نفور ترامب من التورط العسكري طويل الأمد، وهو الذي زار هذا الأسبوع السعودية وقطر والإمارات. فمنذ ولايته الأولى، سعى ترامب لسحب القوات الأميركية من سوريا وأفغانستان والعراق.
رئيس هيئة الأركان الجديد، الجنرال دان كين، كان قلقاً من أن استمرار الحملة سيضعف الجاهزية الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وهي ذات المخاوف التي أعرب عنها سلفه الجنرال تشارلز براون قبل إقالته في شباط/فبراير. وبحلول 5 أيار/مايو، كان ترامب قد حسم أمره بالمضي قُدماً، وفقاً لشهادات أكثر من 12 مسؤولاً حاضراً في حلقات القرار الأمني، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم.
المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، قالت لصحيفة نيويورك تايمز إن "الرئيس ترامب نجح في تحقيق وقف إطلاق نار، وهذا إنجاز جديد يصب في صالح أمن أميركا"، مضيفة أن الجيش الأميركي نفّذ أكثر من 1100 ضربة قتالية، أدت إلى مقتل المئات من مقاتلي الحوثي وتدمير معداتهم. أما المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، فأكد أن العملية كانت محدودة منذ بدايتها، قائلاً إن "كل جانب من جوانب الحملة تم تنسيقه على أعلى المستويات العسكرية والمدنية".
وفي حين دافع مسؤولون عن مايكل والتز، مستشار الأمن القومي السابق، باعتباره منسقاً فقط وليس دافعاً لقرار توسيع العمليات، كان الجنرال كوريلّا يسعى منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023 إلى ضرب الحوثيين بعد تصاعد هجماتهم على السفن، رداً على الحرب في غزة. في المقابل، رأى الرئيس جو بايدن سابقاً أن شن حملة قوية سيعزز مكانة الحوثيين، واكتفى بضربات محدودة لم تنجح في ردعهم.
اقترح كوريلّا لاحقاً حملة تمتد 8 إلى 10 أشهر تستهدف الدفاعات الجوية الحوثية، يليها اغتيالات مركزة على غرار العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله. وقد أيد السعوديون الخطة، وقدموا قائمة بـ12 قيادياً حوثياً قالوا إن قتلهم سيقوض الجماعة. إلا أن الإماراتيين كانوا أقل حماسة، إذ يعتقدون أن الحوثيين أثبتوا قدرة على النجاة من سنوات من القصف السعودي.
في آذار/مارس، وافق ترامب على تنفيذ جزء من الخطة، مطلقاً حملة أطلق عليها وزير الحرب بيت هيغسث اسم "عملية الفارس الخشن". ورغم أن كوريلّا طلب حملة تستمر شهوراً، فقد مُنحت 30 يوماً فقط لإثبات النجاح.
خلال تلك الفترة، أسقط الحوثيون 7 طائرات مسيّرة أميركية من طراز "MQ-9" (بقيمة 30 مليون دولار للطائرة)، وعرّضوا طائرات F-16 وطائرة F-35 للخطر. كما أصيب طياران وعضو بطاقم الطيران في حادثين منفصلين سقطت فيهما طائرتا "Super Hornet" من على حاملة الطائرات.
في الأثناء، اضطر فريق ترامب الأمني للتعامل مع فضيحة كشف مخططات عملياتية في اليمن على تطبيق "سيغنال"، كان قد أنشأها مستشار الأمتن القومي والتز وأدخل فيها صحفياً عن غير قصد.
وأشار البنتاغون إلى أن أكثر من 1000 هدف تم قصفها، بما فيها مراكز قيادة ومنشآت تصنيع وتخزين أسلحة متطورة، وتم قتل أكثر من عشرة قياديين حوثيين. لكن الكلفة كانت فادحة. فقد تم نشر حاملتي طائرات وقاذفات B-2 ومقاتلات وأنظمة دفاعية مثل "باتريوت" و"ثاد"، بكلفة تجاوزت المليار دولار في الشهر الأول فقط.
أثار الاستنزاف الكبير للذخائر، خصوصاً الذخائر بعيدة المدى، قلق المخططين العسكريين الأميركيين من أثر ذلك على الجاهزية في حال حصول تصعيد مع الصين بشأن تايوان.
رغم ذلك، واصل الحوثيون هجماتهم، وعززوا تحصيناتهم ونقلوا الأسلحة إلى مواقع تحت الأرض.
بدأ البيت الأبيض يطالب القيادة المركزية بأرقام تثبت جدوى العملية. ردت القيادة بإحصائيات عن عدد الذخائر المُستخدمة، بينما قدّرت الاستخبارات حدوث "بعض التراجع" في قدرات الحوثي، لكنها حذّرت من سهولة تعويض الخسائر.
وكان أمام إدارة ترامب خياران: تصعيد الحملة لشهر آخر، يليها استعراض حرية الملاحة في البحر الأحمر عبر حاملتي طائرات، مع إعلان النصر في حال لم يفتح الحوثيون النار، أو توسيع الحملة لإتاحة الفرصة للحكومة اليمنية المدعومة من الغرب لاستعادة العاصمة والموانئ.
في أواخر نيسان/أبريل، قاد هيغسث اجتماعاً عبر الفيديو ضم مسؤولين سعوديين وإماراتيين وآخرين من الخارجية والبيت الأبيض، في محاولة للاتفاق على هدف واقعي يمكن عرضه على الرئيس. لكن الاجتماع لم يفضِ إلى توافق.
دخل الجنرال كين، رئيس الأركان الجديد، على خط النقاش، معبراً عن قلقه بشأن استنزاف الموارد في ظل حاجتها لمنطقة المحيط الهادئ. وقد شاركه هذا الرأي نائب الرئيس جي دي فانس، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز. لكن ترامب نفسه بات المعارض الأبرز لاستمرار الحملة.
في 28 نيسان/أبريل، قامت حاملة الطائرات "ترومان" بمناورة حادة لتفادي نيران حوثية، ما تسبب في سقوط إحدى طائرات "سوبر هورنت" التي كانت تُجرّ في البحر. في اليوم نفسه، قُتل عشرات الأشخاص في غارة أميركية أصابت مركزاً للهجرة يسيطر عليه الحوثيون.
وفي 4 أيار/مايو، نجح صاروخ باليستي حوثي في الإفلات من منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية وضرب موقعاً قرب مطار بن غوريون الدولي في تل أبيب. بعد ذلك بيومين، أُجبر طياران آخران على متن "سوبر هورنت" على القفز من طائرتهما بعد فشلها في الهبوط على الحاملة.
في تلك اللحظة، أعلن ترامب أن العملية كانت ناجحة. أما الحوثيون، فسارعوا أيضاً إلى إعلان "الانتصار"، مطلقين وسمًا على مواقع التواصل: "#اليمن_تهزم_أميركا".





.png)
