أبدت عدة دول ردود فعل متحفظة تجاه الدعوة الأمريكية للانضمام إلى ما يسمى بـ"مجلس السلام" الذي تقوده واشنطن، حيث أعلنت دول حليفة للولايات المتحدة مثل فرنسا عدم انضمامها في الوقت الراهن، بينما يسود الترقب مواقف غالبية الدول الأخرى.
ويرى خبراء دوليون أن هذه المواقف تعكس شكوكا متزايدة ضمن الأوساط الدولية بشأن قدرة المجلس وأهدافه، ولا سيما المخاوف من أن تسعى الولايات المتحدة إلى توظيفه كبديل للأمم المتحدة، بما يقوض النظام الدولي الحالي القائم على قواعد القانون الدولي.
-
تحفظ واسع لدى الدول
أعلنت الإدارة الأمريكية مؤخرا عن إنشاء ما يسمونه "مجلس السلام" للإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، ووجهت دعوات إلى العديد من الدول للانضمام إليه. ووفقا للرواية الأمريكية، يحق للدول التي تقدم تبرعات نقدية تزيد عن مليار دولار الحصول على "عضوية دائمة" في المجلس.
وأعلنت فرنسا والنرويج ودول أخرى عدم انضمامها في المرحلة الحالية. وفي بيان صادر في 19 من الشهر الجاري، شككت الرئاسة الفرنسية بأن صلاحيات المجلس قد تتجاوز بكثير مهام إدارة المرحلة الانتقالية في غزة وقد تضعف إطار عمل الأمم المتحدة. كما أكد مساعد وزير الخارجية النرويجي في مقابلة يوم 20 من الشهر الجاري أن بلاده لن تنضم إلى هيئة من شأنها التشكيك في دور الأمم المتحدة أو إضعاف أسس القانون الدولي القائم.
وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير إعلامية أن أكثر من 30 دولة تلقت دعوات رسمية للانضمام، من بينها روسيا والهند وألمانيا وأوكرانيا والبرازيل.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في 20 من الشهر الجاري إنه "يناقش بنود المجلس مع الحلفاء"، فيما نقلت وسائل إعلام كندية عن مسؤول حكومي قوله إن أوتاوا لن تدفع مقابل الانضمام. أما المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، فأوضح في 18 من الشهر الجاري أن موسكو لا تزال تدرس تفاصيل الدعوة وتأمل في التواصل مع الجانب الأمريكي لتوضيح بعض الأمور.
-
"مجلس سلام" أم "ناد خاص"؟
يرى خبراء من دول عدة أن فتور الاستقبال الدولي لمشروع "مجلس السلام" يعود أساسا إلى ثلاثة تساؤلات رئيسية تحيط بطبيعة هذه الهيئة وأهدافها.
أول هذه التساؤلات هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام هذه الهيئة بديلا عن الأمم المتحدة. فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض يوم 20 من الشهر الجاري إن الأمم المتحدة "يجب أن تستمر"، لكن "مجلس السلام" قد يحل محلها. وبحسب المسودة المعلنة للنظام الأساسي للمجلس، لا يقتصر نطاق عمله على غزة، بل يهدف إلى إنشاء "هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام".
واعتبر باو تشنغ تشانغ، الباحث المشارك في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شانغهاي للدراسات الدولية، أن "مجلس السلام" وهيكليته الكاملة يمثلان آلية دولية إقصائية تتخفى تحت شعار "السلام"، وتعكس نية أمريكية مبيتة لإنشاء بديل للأمم المتحدة خارج أطرها التقليدية.
أما التساؤل الثاني فيتعلق بإمكانية تقويض "مجلس السلام" الأمريكي للنظام الدولي القائم على القانون الدولي. فقد سبق لترامب أن صرح في مقابلة مع صحيفة ((نيويورك تايمز)) بأنه "لا يحتاج إلى القانون الدولي"، إلى جانب العمليات الأمريكية الأخيرة مثل الغارة على فنزويلا والتهديد بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة، وهو ما أضر بمصداقية واشنطن على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق، أشارت التقارير الإعلامية إلى أن مصدر القلق الأكبر هو إنشاء هذه الهيئة الجديدة خارج إطار القانون الدولي، مما قد يقوض هيكل العلاقات بين الدول القائم منذ الحرب العالمية الثانية، واصفة ذلك بأنه "أمر خطير".
والتساؤل الثالث يدور حول ما إذا كان "مجلس السلام" سيتحول إلى "ناد خاص". فوفقا لمسودة النظام الأساسي، يترأس المجلس الرئيس المؤسس ترامب، الذي يملك صلاحية تعيين الأعضاء وتجديد عضويتهم، بينما تحصل الدول التي تقدم تبرعات نقدية تفوق مليار دولار على "مقاعد دائمة". ويرى خبراء أن هذا التصميم المؤسسي، إلى جانب "تسعير" المقعد الدائم يجعلان "مجلس السلام" أقرب إلى مجلس إدارة شركة أو حتى "ناد خاص" منه إلى آلية دولية متعددة الأطراف.
وقال الأستاذ في كلية العلاقات الدولية بجامعة رنمين الصينية دياو دا مينغ إن "مجلس السلام" المزعوم "يتناقض مع مبادئ المساواة والعدالة التي تقوم عليها الآليات الدولية، فهو منذ البداية ليس إطارا للحل بل أداة للاستيلاء والاستحواذ".
-
صعوبة تحقيق سلام حقيقي
وعلى الرغم من الادعاءات الأمريكية بأن الهدف من إنشاء "مجلس السلام" هو الإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة، يرى خبراء أن هذه الآلية منفصلة عن الواقع الفعلي للقضية الفلسطينية، وتعاني من إشكاليات بنيوية عديدة، مما يجعل من الصعب أن تعمل بفعالية أو تحقق "سلاما حقيقيا" في غزة.
وتتمثل أبرز هذه الإشكاليات في اختلال تركيبة الأعضاء وضعف تمثيل "طرفي الصراع". ووفقا للمعلومات المنشورة على موقع البيت الأبيض، يتألف الهيكل الذي تقوده واشنطن لإدارة شؤون غزة من مستويات هرمية متعددة. ففي القمة يوجد "المجلس التنفيذي التأسيسي" التابع لـ"مجلس السلام" ويضم سبعة أعضاء، ستة منهم أمريكيون إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. أما المستوى المتوسط فهو "مجلس غزة التنفيذي" الذي يضم أعضاء من "المجلس التنفيذي التأسيسي"، ومسؤولين من دول عربية، وممثلا عن الأمم المتحدة، إلى جانب مدير شركة عقارية ومدير تنفيذي لشركة أمريكية لإدارة الأصول. وفي المستوى الأدنى، تأتي "لجنة التكنوقراط الفلسطينية" التي تعمل تحت إشراف "مجلس السلام".
ويرى خبراء أن هذا الهيكل يعكس سعي واشنطن إلى تكريس موقعها القيادي في عملية السلام في غزة وتنفيذ ما يوصف بـ"خطة إعادة الإعمار الأمريكية". وأشار باو تشنغ تشانغ إلى أن محاولة قوة خارجية مثل الولايات المتحدة قيادة العملية الفلسطينية الإسرائيلية تواجه صعوبات كبيرة في كسب القبول والثقة على المستوى المحلي.
واستنادا إلى ترتيبات "مجلس السلام" وردود الفعل المختلفة عليها، تشير التقارير الإعلامية إلى أن المجلس قد يواجه عوائق متعددة في شؤون إدارة غزة مثل نقص التمويل ومحدودية القدرة التنفيذية وضعف التنسيق الدولي، مما يعيق تحقيق الاستقرار الأمني في القطاع على المدى القصير. وفي المقابل، خلصت مراكز أبحاث أمريكية إلى أن "مجلس السلام" غير قادر على معالجة التناقضات الجوهرية للصراع الإقليمي، وأن انفصاله عن الواقع الميداني قد يحد من استمراريته.





.png)

