بينما تتساقط الصواريخ وتدوّي الانفجارات في قلب العاصمة الإيرانية، تنقل صحيفة الغارديان شهادات ميدانية من طهران تكشف حجم الهلع الذي يعيشه السكان، في ظل غارات إسرائيلية متواصلة، وبنية تحتية غير مهيأة للحرب. مع تصاعد الضربات، اختنقت الشوارع، فُقد الاتصال، وتحوّلت محطات المترو والمدارس إلى ملاجئ مؤقتة، في مدينة تكافح للخروج من أسوأ أزماتها.
وسط هذا الواقع المتفجر، ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي موجة من السخرية من فكرة "سقوط وشيك للنظام"، والتي يتم تداولها منذ سنوات، خاصة من قبل أصوات إسرائيلية وأميركية. بعض الإيرانيين شبّهوا هذه التوقعات بـ"نكتة قومية مكررة"، بينما استُحضرت مقاطع أرشيفية لمسؤولين إيرانيين يؤكدون بثقة أن إسرائيل "لن تجرؤ على الهجوم". وبين السخرية والخوف، تعمّق لدى كثيرين شعور بالتناقض: نقد داخلي حاد للنظام، يقابله توحّد غريزي في وجه ما يُنظر إليه كعدوان خارجي.
ووفق التقرير، في تمام الرابعة فجرًا، اهتزّت نافذة منزل ناهيد فجأة عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية مبنى مجاورًا. لم ترَ هدف الضربة، لكن بيتها امتلأ بالدخان بعد لحظات. حدث ذلك صباح الأحد، في اليوم الثالث من الحرب، مع تصاعد الغارات على العاصمة الإيرانية طهران.
تقول ناهيد، وهي خبيرة اقتصادية تبلغ من العمر 25 عامًا وتعمل في شركة تسويق رقمي بطهران: "ما حدث كان مجزرة، لم تتوقف الانفجارات. الأطفال يبكون باستمرار، ونخشى أن عددًا كبيرًا من المدنيين قُتلوا". وتضيف: "كان في الجو رائحة موت… لم أتمكن من التوقف عن البكاء".
ردة فعل العديد من سكان طهران كانت الهروب إلى بلدات أصغر خارج العاصمة. السلطات الإيرانية لم تنشر حصيلة رسمية للضحايا، لكن يُقدّر مقتل ما لا يقل عن 138 شخصًا ومئات المصابين منذ بدء الهجوم الإسرائيلي يوم الجمعة.
أعلنت سلطات العاصمة فتح محطات المترو كملاجئ مؤقتة، في حين تحوّلت العديد من المدارس إلى مراكز استقبال للنازحين. وقال رئيس مجلس بلدية طهران، مهدي تشمران: "للأسف، لا توجد لدينا ملاجئ في طهران أو في المدن الأخرى"، داعيًا السكان إلى الاحتماء في الأنفاق والأقبية.
وفي مقابلة عبر الرسائل النصية مع صحيفة "الغارديان"، كتبت ناهيد: "لسنا واثقين أن المساجد أو المدارس أو المترو هي أماكن آمنة فعلًا… ماذا لو دُفنا تحت الأنقاض؟ أنا وأخواتي نحاول إقناع والدينا وجيراننا بمغادرة المنزل".
ذعر في المتاجر وطوابير على محطات الوقود
هرع الكثير من سكان طهران إلى المتاجر الكبرى وأفرغوا الرفوف من المواد الأساسية. "الناس يصرخون في الشوارع، من الخطر الخروج الآن، لكن لا خيار لدينا"، قال رضا، طالب جامعي في الحادية والعشرين من عمره. وأشار إلى أن طوابير طويلة تشكّلت في محطات الوقود، حيث سعى الجميع إلى تعبئة خزانات سياراتهم قبل الفرار من المدينة.
إلى جانب الطوابير أمام المتاجر والصرافات، زادت حالة الرعب بعد وقوع عدة تفجيرات بسيارات مفخخة في أنحاء متفرقة من طهران. خلال أجزاء من اليوم، توقفت شبكات الاتصال الخلوي، ما جعل من الصعب على الناس التواصل مع ذويهم لفترات طويلة.
ويؤكد خبراء أن الهجوم الإسرائيلي جاء في لحظة حرجة جدًا للنظام الإيراني، في ظل تراكم أزمات داخلية: احتجاجات متكررة، أزمة اقتصادية خانقة، وتآكل ثقة الجمهور. يقول علي فاطمي نجاد، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط والنظام العالمي في طهران: "الحرب جاءت في وقت هش للغاية داخليًا، فنحن نواجه أخطر أزمة اقتصادية منذ عقود".
شهدت أسعار الغذاء والسلع الأساسية ارتفاعًا حادًا العام الماضي، وسجّل الريال الإيراني انهيارًا غير مسبوق. ومع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير، وقّع أمرًا بتشديد العقوبات على إيران، خصوصًا في قطاع النفط، في محاولة لخنق صادراتها. ووفقًا لنجاد، فإن الضغط الاقتصادي المتزايد والمواجهة العسكرية دفعا إيران إلى المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة.
سخرية شعبية من فشل النظام والتوحد ضد العدوان الخارجي في ذات الوقت
في مواقع التواصل الاجتماعي، سخر العديد من الإيرانيين من حالة المفاجأة والارتباك التي أظهرها النظام الإيراني بعد الضربة الإسرائيلية الأولى. وشارك مستخدمون مقاطع فيديو قديمة يظهر فيها مسؤولون عسكريون إيرانيون يؤكدون بثقة أن "إسرائيل لن تجرؤ أبدًا على مهاجمة إيران".
ورغم ذلك، حرص الإعلام الرسمي الإيراني على بث لقطات متكررة من الضربات التي نفذتها إيران على إسرائيل، محاولًا التقليل من حجم الضرر الذي لحق بإيران حتى الآن. لكن الشعور بالخوف والحصار عزّز لدى كثير من الإيرانيين إحساسًا بوحدة المصير.
وقال الهادي، وهو من سكان طهران في الستينيات من عمره: "اعتدنا سماع شائعات عن قرب سقوط النظام، خاصة عندما تأتي من الإسرائيليين والأميركيين. أصبح الأمر أقرب إلى نكتة الآن". وأضاف أن بعض أصدقائه، الذين عارضوا سابقًا حصول إيران على سلاح نووي، غيّروا رأيهم ويعتقدون اليوم أن "السلاح النووي وحده هو ما سيردع إسرائيل".
وختم قائلًا: "الكثير من الإيرانيين ينتقدون الحكومة وأهدافها وسلوكها، لكن التاريخ يثبت أنه عندما تهاجمنا قوة أجنبية، فإن الشعب الإيراني يتوحّد".




.jpg-0208b9f0-8627-40aa-9016-282021cd17b4.jpg)

