أحد الأدوار المهمة لمعارك الانتخابات هو تعميق تسييس القضايا والاحتياجات والأسئلة التي تشغل الناس، بمعنى ربط النتائج التي يلمسها المواطن الفرد بمسبباتها الحقيقية. وبالطبع فإن هناك جهات ومركبات في الحلبة السياسية ستظل مهتمّة بعكس ذلك تمامًا، أي تمويه العلاقة بين ظروف الواقع وبين مسبباتها للهرب من المسؤولية.
الغلاء الفاحش الذي يطال تقريبًا جميع السلع والخدمات والمواد الأساسية في قائمة احتياجات الحياة اليومية للناس، هي بين أبرز هذه القضايا. الحديث هنا عن غلاء تكاليف الكهرباء والوقود والغذاء والمواصلات (في حال توفرت بشكل لائق للعرب!)، وهذا ليس أمرًا نازلا من السماء، بل هناك من يتحمل المسؤولية عنه، وهو صاحب السلطة وبالتالي صاحب القرار في توزيع الميزانيات وترتيب الأولويات العامة.
في قطاع الكهرباء مثلا، بات كثير من المحللين المهنيين يقولون بوضوح إنه مع اكتشاف واستخراج كميات الغاز الهائلة من السواحل، صار يمكن للسلطة الإسرائيلية خفض أسعار الكهرباء للمواطنين بدرجات حادة، بل هناك من يذهب حتى القول إنه يمكن توفير الكهرباء مجانًا للخدمات العامة. لكن ما يحدث فعليا هو أن الغاز يُستخرج وسعر الكهرباء يرتفع، وأرباح شركات استخراجه تكبر! ومن قرر هذا، ومن وافق على تقسيمة الأرباح وبالتالي الفائدة الناجمة عن مورد الطاقة هذا، هو الحكومة. والمقصود الحكومة التي قادها نفتالي بينيت والحكومات التي قادها بنيامين نتنياهو. وهذا يشمل من دعمَ الحكومتين..
الأمر نفسه ينطبق على أسعار المواد الغذائية، ويجب صدّ وتكذيب المزاعم بأن هذه مسألة تقررها الأسواق. فالحكومة هي من يقرر إبقاء هذا القطاع أو ذاك بأيدي شركات احتكارية معدودة تجني أرباحًا طائلة وتتحكم بالأسعار، والحكومة هي من يقرر حجم ونطاق الإنتاج المحلي الزراعي بمختلف فروعه، من خلال الأولوية التي تعطيها له، والتسهيلات الاقتصادية المنوّعة التي تملك القدرة على تقديمها له. هذه ليست مسائل فوق طاقة الحكومة، بل في صلب تعريفها كسلطة تنفيذية عليا، تستند إلى سلطة تشريعية تتخذ جميع القرارات في الدولة. فهل فعّلت الحكومة وزاراتها وائتلافها لهذه الأغراض؟ الجواب لا بالطبع.
الآن، ومع بدء الحملات الانتخابية والنقاشات المتصاعدة السخونة، يجب احترام عقول الناس من قبل من يتحملون مسؤولية هذه الضربات الاقتصادية ويحاولون الظهور كمنقذين. إن ميرتس والقائمة الموحدة وحزب العمل وسائر مركبات الحكومة الغاربة وتلك التي سبقتها يتحملون مسؤولية كاملة عن الوضع الاقتصادي وواقع الحياة المرير الذي تُرمى إليه مئات ألوف العائلات الفقيرة ومتوسطة الحال، والتي يشكل العرب الجزء الأكبر منها. ليس من المعقول ولا الانصاف ولا الحكمة دعم من يثقلون كاهل الناس بالغلاء، ويزعمون أنهم أبرياء. فهذا ليس سوى نفاق ورياء.







