حشدُ الجرائم الذي اقترفته ميليشيات الاستيطان الإرهابية في عدد من قرى جنوب نابلس، وبالأساس حوارة وزعترة أمس الأول، كان بالإمكان منعه. لم يكن هذا "البوغروم" عملاً تم تخطيطه سرًا بعيدًا عن الأعين والاذان، بل تم إفشاء التخطيط له جهارًا نهارًا في العديد من قنوات المنصات الاجتماعية، أي أنه لم يكن بحاجة إلى أية جهود ومعلومات استخباراتية لكشفه وصدّه. جهاز الاحتلال، بما يشمل الجيش والشرطة، لم يقوما بما يجب وممكن لتفاديه. هذا ليس تقييمنا الصحفي، بل هو ملخص موقف نقلته مراسلة الإذاعة الرسمية الاسرائيلية "كان-ب" للشؤون العسكرية، صباح أمس، عمّن وصفته بـ"جهة أمنية رفيعة المستوى".
لقد قطع إرهابيو الاستيطان الذي اقترفوا البوغروم مسافة طويلة مشيًا، وشوهدوا من مسافة كيلومترين اثنين وهم يقتربون من حوارة، في الشارع العام، أمام دوريات الاحتلال التي شاهدتهم ورأتهم، حتى أن عنصرًا عسكريًا في إحدى السيارات خاطب الإرهابيين بما معناه "إنتبهوا لأنفسكم". مرة أخرى، هذه ليست إفادة قدمتها جهة فلسطينية، ولا منظمة حقوق إنسان إسرائيلية تنشط ضد الاحتلال، بل إنها شهادة مراسل إذاعة الجيش "غالي تساهال" تحديدًا. وقد روى كيف أنه وصحفيّ آخر رافقه من جريدة "هآرتس" تعرضا لاعتداء بقنبلة صوتية من "مدني مسلّح"، وحتى عندما صرخا بالعبرية معرّفين عن نفسيهما كإسرائيليّين ويهوديَّين، أشهر "المدني" سلاحه وأطلق الرصاص فوق رأسيهما. وقد اهتمّ الصحفي بأن يؤكد: هذا المدني ليس عنصرًا سريًا من أي جهاز أمني.
هذا على مستوى الوقائع العينية، التي تدحض مزاعم الصدمة المفتعلقة الكاذبة التي عبّر عنها مختلف السياسيين والإعلاميين الصهاينة أمس، ومنهم من أعرب عن خجله وهاجم الحكومة والجيش على ما حصل. فهذه الجريمة الإرهابية الاستيطانية ليست جديدة، ومثلها يُقترف بشكل يومي، لكنها هذه المرة كانت اكبر وأوسع حجمًا ودموية وألّفت مشهدًا ذكّر بما سبق أن عانى منه اليهود في أوروبا من جرائم اقترفها بحقهم نازيون وفاشيون آخرون.
إن "ليلة البلّور" أو "ليلة الكريستال" هذه، وهي مصطلح يشير إلى بوغرومات نظمها ونفذها النازيون ضد مصالح وبيوت يهودية في ألمانيا بين التاسع والعاشر من تشرين الثاني 1938، لا يتحمل مسؤوليتها مقترفوها الدمويون فقط، ولا من حرّضهم من سياسيين وزعماء متدينين متعصبين فحسب، ولا حتى جيش الاحتلال نفسه فقط، بل هي جريمةُ كلّ من جعل، بالفعل وبالصمت، بالممارسة وبالتواطؤ، هذا المسخ الدموي الفاشي يتوحش ويتفشى؛ سواء بإقامة المستوطنات أو تعزيزها أو توسيعها او دعهما؛ أو برفض الانسحاب التام الى حدود ما قبل احتلال حزيران 1967؛ أو بخنق الفلسطينيين بالحصار والجدار والحواجز والملاحقات والتقييدات، مقابل منح كل وسائل التفشي والانفلات والهيمنة لمستوطنين يسلكون باستعلاء وفوقية وعنجهية ودموية بحماية تامة من دولة إسرائيل الرسمية برمّتها. هذا البوغروم يحمل الختم الرسمي لدولة إسرائيل.





