تشهد منطقتنا تطورات كبيرة في السير الحذر جدًا على سكّة الخروج البطيء والأولي من صدامات وصراعات تمتد لأعوام وعقود من العداء. وربما أن العنوان الرئيسي لما يجري هو الانفراج المتنامي في علاقات السعودية وإيران والاتفاق على بدء استعادة العلاقات الطبيعية بين دولتين كبيرتين مهمتين ومتجاورتين. وهو التطور الذي جاء بفضل جهود صينية تثبت مرة أخرى حنكة دبلوماسية بكين وقدرتها على تقريب وجهات نظر حتى بين جهات بدت حتى الأمس في تناقض حاد لا يُجسَر.
هذه السيرورة تحمل تأثيراتها الإيجابية شمالاً وجنوبًا في المنطقة: في سوريا وفي اليمن. ففي كل منهما تتزايد المؤشرات على تراجع حدة التوتر المدمر، مع التطورات الحاصلة وإن ببطء في علاقات القوى الإقليمية الكبيرة التي كانت لها مصالح وامتدادات وامدادات أدت الى إبقاء لهيب الصراع الداخلي عاليا.
خلف هذا يبدو جليًا أن الدور السام والتخريبي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل منهجي واستراتيجي نفعي وإمبريالي، هو دور سيتقلص اكثر فأكثر وبدرجات عالية، مع قيام دول كانت حتى الأمس تحت سطوة السوط الأمريكي، بالتوصل الى الاستنتاج الضروري والحتمي، بأن الذهاب خلف واشنطن لا يقودها سوى الى الخراب، ويجدر بها إحداث انعطافات في مسارها.
وبالطبع، فجميع هذه التطورات ما زالت في بدايتها، وهي معرضة لشتى احتمالات ومخاطر الانكفاء والإفشال، لكن لا يمكن التقليل من أهميتها، ويبقى السؤال بعيد المدى والحاسم هو ما إذا كانت تلك الحكومات ستعمل على أن لا يقتصر الأمر على انفراجات دبلوماسية، بل الارتقاء الى سياسات تكون في مركزها الشعوب، كل الشعوب في المنطقة، ومصالحها الحقيقية والمشتركة.





