تقف سوريا الآن أمام الامتحان الأهم، الحاسم والأعلى ضرورة وملحاحيّة ومصيرية، امتحان الوحدة. وحدة سوريا بأرضها المقسّمة والمنتهكة في أجزاء جديّة منها، وخصوصًا من احتلال إسرائيلي قديم وآخر جديد في جنوبها، واحتلال امريكي في شمالها وشرقها. واحتلال تركي شهيته نحو هيمنة أكبر وأوسع على مستقبل سوريا ومقدراتها، مفتوحة أكثر من أي وقت مضى، بفضل الولاء والارتباط العميق، للفصائل المسلحة التي تسيطر على دمشق اليوم للنظام التركي، الذي مولها وسلحها ودربها ودعمها ورعاها. والآن يريد أن يجني مع حلفائه في الغرب وإسرائيل ما زرعوه من حرب أهلية بالوكالة لتقسيم سوريا وتفتيتها وإضعافها.
إن وحدة سوريا بمؤسساتها الجامعة المتبقية، وحدة الشعب ووحدة الأرض ووحدة الدولة والقانون، هي فقط الضامن الذي يضع الشعب السوري على أول الطريق لتحقيق تطلعاته بالحرية والحياة الكريمة في دولة مدنية وديمقراطية لكل السوريين، تصون التعددية الاجتماعية والثقافية والدينية في سوريا.
وامتحان الشعب السوري الحاسم هذا يقف أمام العقبة الأصعب، وهي طبيعة الجماعة التي تمسك بزمام الأمور اليوم، تنظيم القاعدة الذي كان يسمى جبهة النصرة وأعيد تأهيله باسم "هيئة تحرير الشام". واذا لم يكن كافيًا معرفة طبيعته الأيديولوجية الأصولية الرجعية الارهابية لاستشعار الخطر القادم، فما علينا إلا أن ننظر إلى طبيعة ممارساته خلال السنوات الماضية في المناطق التي كانت تحت حكمه، من قمع وقتل وجرائم طائفية بشعة وإعدامات ميدانية وفرض قوانين قروسطية متخلفة، والارتهان لمصالح أجنبية ومشاريع تقسيمية. ولا يجب لكل ما يحاول أن يبديه اليوم من "تغيير جلده" وبوادر "انفتاح وتسامح" أن يجعل الشعب السوري أقل يقظة لما قد يحمله لسوريا المستقبل.
إن نهاية عهد سلالة حكم عائلة الأسد المتوارث، ليس مدعاة للأسف بحد ذاته، حكم لم يكن من المفترض أن يليق بتعريف الجمهورية المرادف لاسم هذه الدولة العريقة؛ فهو نمط توارُث عائلي للسلطة مكرّس في العادة داخل تلك الأنظمة الأدنى تطورا سياسيًا وحداثويًا، نقصد الممالك والامارات. ذلك الحكم الذي لم يخفى علينا يومًا طبيعته القمعية والفاسدة. هذا النظام الذي حتى خلال السنوات القليلة الماضية ما بعد الحرب أضاع فرصًا كبيرة وكثيرة للإصلاح والمصالحة وتجنب العودة للفوضى مرة أخرى، حيث أظهر تعنتاً وعنادًا، رافضاً النصحَ من أصدقائه وحلفائه لتقديم تنازلات للمعارضة غير المسلّحة والملتزمة بوحدة سوريا، وزاد استمرار فساده وعائلته الحاكمة المستشري من نقمة الشعب وقلّل من رغبة الجيش في القتال، وجعل سقوطه سريعًا في لحظة ضعف لحلفائه بعد الضربات التي وجهتها إسرائيل وأمريكا لهم.
التعقيدات القادمة كثيرة ومعظمها خطيرة وبعضها قاتلة لو لم تُدَر بمعايير ثلاثة: الحكمة والتسامح والمسؤولية. وفي هذه المعايير ما يشير إلى المحاذير، وفي أولها خطر الدخول في تراشقات النقمة والثأر، وخطر بناء الغد القادم على أحقاد الأمس، وخطر مقاربة شركاء الوطن والأرض والهوية والدولة والتاريخ والمستقبل بولاءات تتجاوز كل ما سلف إلى ولاءات لجهات ومصالح غير سورية.


.jpeg)


.jpeg)

