محاولات البعض نزع الصفة الوطنية عن سواهم، واحتكارها لأنفسهم، كانت تثير في الماضي غضبًا وعتبًا على قلّة المسؤولية والصبيانية التي ينطوي عليها هكذا شطط. لكن الانطباع السائد والمتزايد اتساعًا اليوم، هو ان هذا الزعم لا يثير سوى الضحك في البداية، وبعده مباشرة التساؤل عن مدى التزام مطلقي هكذا بذاءات بمصالح أبناء وبنات شعبهم – وأولها الحفاظ على وحدتهم.
ربما أن الاستهتار بعقول الناس، والاستعلاء غير الحكيم عليهم – لو قلناها بدبلوماسية-، هو ما يجعل من خرج قبل أسابيع قليلة فقط من شراكة مع من بات ينكر عنهم صفة الوطنية، يظنّ أن هذه البضاعة قابلة للترويج والتسويق، وانه يسهل خداع الناس.
ومن نافلة القول إن من يشوّه الحقيقة والوعي العام ويبثّ ما من شأنه تمزيق وحدة الناس الوطنية الكفاحية – وإن اختلفوا إلى تيارات ومشارب وهذا طبيعي – إنما يضع نفسه في دائرة التساؤل عن مدى فطنته وعمقه، وكذلك مدى جديّته ومسؤوليته والتزامه بقضايا ومصالح ومصير أبناء شعبه.
إنّ من "يستلّ" ورقة التشكيك بوطنية الآخرين لا بل حتى إنكارها، كلما كانت مصالحه الضيقة والفئوية تحتاج هذا، وكلّما وجد نفسه في ضائقة ومحنة، يجدر التمعّن مليًا فيه وفي مسلكه، لا بل وفي مدى جديّته في التعامل الحذر والمسؤول والملتزم مع وحدة أبناء وبنات شعبه.
واضح أن الإحباط قد يدفع البعض الى إطلاق البذاءات في كل اتجاه، ولكن هذا مهما علا الزعيق لن يشكل برنامجًا سياسيًا ولا خطة عمل انتخابية ولا شبكة نجاة له مما أوقع نفسه فيه لشدة تسلّط الحقد والكراهية في ميزان معاييره على أي معيار آخر.
إن من يستسهل الاستهتار بالناس وبالذات من باب اللعب باحتكار الوطنية، وبالتالي التلاعب بوحدة الناس وعدم الاكتراث بخطر تعريضها للتمزّق، يجب أن يعيد النظر، وأن يعتذر. ليس من خصومه – مَن كان شريكا لهم على امتداد سنوات حتى الأمس القريب وقد يعود لشراكتهم في الغد القريب- بل أن يعتذر للناس.





