لا تدلّ معارك الانتخابات المتتالية في إسرائيل سوى على أزمة عميقة في نظام الحكم بأكمله. ففي داخل نسيج الأحزاب الصهيونية هناك، من جهة، يمين احتلالي استيطاني واضح الأجندة والغاية، يرفض أية تسوية سياسية مع الشعب العربي الفلسطيني؛ ومن الجهة الثانية أحزاب تتخبّط في التسميات والتعريفات والسياسات فتسمي نفسها وسطًا ويسارًا لكنها لا تختلف في المسلك والأداء عن اليمين، حتى لو كان خطابها مختلفًا. فالامتحان دومًا هو الحاصل على الأرض.
جميع هذه الأحزاب، على نحو متفاوت، قررت وضع القضية السياسية الكبرى المتمثلة بمنظومة الاحتلال والاستيطان والعدوان، "على الرفوف" بعيدًا عن الخوض فيها. هذا يشمل حزبًا مثل "ميرتس" الذي كان في الماضي يحرص دعائيًا على البقاء كمهتمّ بهذه القضايا (مع أنه شارك بقراراته وأعضائه في كل حرب عدوانية)، لكنه منذ قرر الجلوس في ائتلاف يضم مستوطنين واستيطانيين ودعاة "أرض إسرائيل الكبرى"، فقد تنازل عمليًا تمامًا عن هويته "اليسارية" التي يزعمها حتى في حدودها الصهيونية الدّارجة. أما حزب "العمل" فبالإضافة إلى أنه تاريخيا حزب احتلال وأول من أطلق الاستيطان فهو، رغم تسمياته "اللايت"، يكرر تحالفه السياسي مع معسكر "أرض إسرائيل الكبرى"، وليس في هذه الألفية فحسب، بل في العقدين الأخيرين من القرن الماضي. لهذا رأيناه في مقدمة المتطرفين في قمع الانتفاضة الأولى ثم الثانية، وكان شريكًا كاملا في عدوان تموز 2006.
خارج المعسكر الصهيوني هناك القائمة المشتركة والقائمة الموحدة. هذه الأخيرة قررت بشكل واضح وعلني أنها تختار المقايضة نهجًا: أعطونا حقوقنا (فتاتها بالأحرى) وخذوا السياسة بمفهومها الواسع؛ لن نتدخل في القضية السياسية الكبرى. أنتم الأسياد ونحن مجرد رعايا. عمليًا لا تقف الموحدة خارج المعسكر الصهيوني، بل قررت الاذدناب له.
نريد هنا التوقف عند الجبهة، الحركة السياسية العربية-اليهودية، وفي مركزها الحزب الشيوعي، التي يشهد لها العدو قبل الصديق (لو تمتّعا بحدّ أدنى من الاستقامة وتميزا بمناعة من الأحقاد الصغيرة..)، انها برعت وأبدعت في جمع رؤية لِوَطنيّة الجماهير العربية الفلسطينية ورؤية أممية لشراكة عربية يهودية كفاحية متكافئة. هذه الرؤية الثاقبة والعميقة وبعيدة النظر، لا زالت تشكل الأرضية الأساس لكل مشروع تحرري، مدني وقومي، لهذا الجزء من الشعب العربي الفلسطيني الباقي في وطنه بعد نكبة 1948.
من هذه الرؤية اشتقت، بالمنطق وبالفعل، طرحها للنضال السياسي في جزئه البرلماني، فجعلت هذه المنصة البرلمانية وهذا الفضاء المتاح للحراك السياسي داخل السلطة التشريعية، جمعًا للنضال من أجل انتزاع الحقوق بكرامة وبرأس مرفوع واستنادًا الى هويّة أقلية الوطن العربية، مع الإصرار على وضع كامل وزنها السياسي من أجل قضية شعبنا الفلسطيني وقضية السلام العادل القائم على تكافؤ كامل يرفض إبقاء الفلسطيني على هامش مصالح المؤسسة الإسرائيلية بشتى صياغاتها لما تعتبره "تسويات" منقوصة.
هذه الرؤية بكل ما تعنيه هي الأشد فائدة وضرورة وإلحاحًا، ومنها تُشتق دعوة الحزب الشيوعي والجبهة، كما يؤكدان بمنهجية، الى الحفاظ على القائمة المشتركة كإطار سياسي تحالفي كفاحي، من أجل الحقوق المدنية بكرامة، والحقوق القومية بكرامة، وخدمة قضية شعبنا وقضية السلام العادل بمثابرة والتزام وإخلاص.







