لم يسفر العدوان الهمجي الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، سوى عن إطالة السجّل الدموي القاتم لحكومة وجيش الاحتلال. وإذا كانت الأجهزة الأمنية والعسكرية قد خططت لضربةٍ حربيّة أرادتها "استراتيجية" بعدوانها، فإنها قد كشفت قصورا استخباراتيا وعسكريا كبيرا، باعتراف المتحدثين والمعلقين في إسرائيل أنفسهم. مرة أخرى ذهب هؤلاء المنفوخون "لتجريب المجرَّب"، لـ"كيّ وعي" الغزيين وسائر الفلسطينيين بواسطة القتل والدمار والحديد والنار، وفشلوا. يبدو أن الحماقة والغطرسة تأتيان دومًا مجتمعَتين!
وإذا كان بنيامين نتنياهو أراد بهذا العدوان استعادة أوراق اللعب للسيطرة على المشهد السياسي - هذه اتهامات وجهها له وزراء ورؤساء حكومة سابقون- بتقويض احتمالات ما يسمى "كتلة التغيير"، وتنصيب نفسه لفترة حكم قادمة، فقد أخطأ الحسابات. إنه لن يكسب حكومة جديدة بثمن كل الدم الفلسطيني الذي سُفك بمسؤوليته العليا، ولا بثمن ما تعرّض له مدنيون إسرائيليون دفعوا ثمن مغامراته، وثمن إذعان المجتمع الإسرائيلي المتكرر لطبول الحرب، لشدة الأسف والخسارة.
والمفارقة أنه بعد هذه كله، ما زالت الحلبة السياسية الإسرائيلية تناقش كل شيء ما عدا قضية القضايا وسؤال الأسئلة: القضية الفلسطينية بكافة ملفاتها المستحقة العادلة غير القابلة للشطب ولا التغييب. مع أن الهرب من هذا الجدل وهذا الحسم هو ما يبقي الخارطة السياسية لزجة كالوحل، تفتقر لأية بنى ثابتة يمكن منها استشراف الآتي والنظر لمستقبل قريب. الهرب الجبان من مواجهة السؤال الأعمق – الاحتلال والاستيطان والتهجير – يبقي عربة الائتلافات الحكومية غائصة في الوحل لا تتقدم ولا تتزحزح بل تنغرز عميقًا في أزمتها.
فقط حين تصل المؤسسة الحاكمة والمجتمع في إسرائيل الى لحظة الحقيقة والأرضية الصلبة لاتخاذ قرارات عن الوجهة المصيرية، تسوية مع الشعب الفلسطيني او سقوط في عتمات الأبرتهايد، عندها فقط سيكون اقتراب من الخروج من أزمة الحكم، والأزمة الأخلاقية، والغرق المتوايد في الرمال السياسية المتحرّكة.







.png)