عقدان من الزمن التاريخي والسياسي المعقّد مرّا على الانتفاضة الفلسطينية الثانية وهبّة أكتوبر؛ هذه التي جاءت كجزء لا يتجزأ من روحها الاحتجاجية والكفاحيّة والثورية، ضمن الظروف العينية التي تعيشها جماهيرنا الباقي في وطنها بعد النكبة، الجزء الحيّ العضوي من الشعب الفلسطيني المظلوم والمقاوم بجدليّة ما انفكت تجترح المآثر بالرغم من كل الهوائل. فلا تزال هذه القضية حجر الزاوية الذي لا يسقط مهما تفشى التخاذل وانحطّت القامات في حظائر الرجعيّة!
لقد اندلعت الانتفاضة الثانية لأن المؤسسة الإسرائيلية فشلت حينذاك، أواخر صيف 2000، مرة أخرى لن تكون أخيرة!، بفرض إملاءاتها السياسية على الشعب العربي الفلسطيني وقيادته وأوّلهم فيها الشهيد ياسر عرفات. فجنرال الحروب المنتقل للسياسة إيهود براك أثبت مدى ضحالته وحماقته ووحشيته معًا حين ظنّ أنه سيضع خطًّا يشطب القضية الفلسطينية، بقوّة الإملاء في "كامب ديفيد" ثم بقوّة رصاص القنص والدبابات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذه الانتفاضة اندلعت بإرادة فلسطينية كفاحية لأن الشعب وجد نفسه محاصرًا وظهره على جدار سجن مؤبّد. وجماهيرنا هنا، التي تابعت الوحشية العسكرية والاستعلاء القومجي العقائدي الصهيوني العنيف، رفعت الصوت من غضب نار القلب، في الاحتجاج والتظاهر، لكنها ووجهت بما ووجه به سائر أبناء شعبها.
لم تشفع لها بطاقات الهوية والمسيرات والوقفات، ولم تحمِها الصفة المدنية التي مزّقها رصاص القنص الموجّه بدقة في صدور كوكبة من شبابها - وهم قسم مغدور عزيز شهيد من بين ألوف شهداء شعبهم الفلسطيني الذين قتلهم نفس الرصاص بنفس الأيدي القذرة والعقليّة الكولونيالية المغرورة.. التي هي من لا يتقن ويفهم سوى لغة العنف البهيمي، وليس كما تتهم ضحيّتها التاريخية والفعلية والراهنة، شعب فلسطين الذي دمّرت عصابات الصهيونية وطنه وحواضره وكيانه السياسي ونسيجه الاجتماعي وفضاءه الحضاريّ.
إننا في هذه الذكرى نعود لننطلق من مبدأ واضح: لا درب ولا سبيل ولا أفق سوى تعميق وتعزيز روح وفعْل الكفاح الثوري لنيل الحرية والسيادة للشعب الفلسطيني، ضمن ما تفرضه التسويات التي فرضتها الوقائع التي أفرزها التاريخ، والتي يرفض الشعب بأكمله في الوقت نفسه أن لا ترتقي الى الحد الأدنى من العدالة: استقلال وسيادة وقدس وعودة وتعويض للاجئين وأولادهم وأحفادهم وفقا لما يختاره كلّ واحد وواحدة منهم.

.jpg)
.jpg)



.png)