كل يوم ينقضي يقرّبنا من الانتخابات، ونتوقّع أن تدبّ الحرارة في النقاشات رويدًا رويدَا. هذا بالطبع أمر مهم لأنه جانب من عملية التسييس المرجوّة، وهو ما يقتضي الإصرار على الخوض في السياسة بجدية وثقة وعمق. وفي هذا الباب يجدر التوقف عند جدل يتكرر على الدوام، ربما أحدّ ما يلخّصه هو الجملة المقيتة القائلة: "أنتم تعملون فقط لأهل الضفة. وتشتغلون فقط من أجل الفلسطينيين والقضية الفلسطينية".
أولاً، الحقيقة مختلفة تمامًا، اولا، فهؤلاء شعبنا، وقضية شعبنا الفلسطيني على رأس اولوياتنا، وعلى الرغم من هذا فإن جلّ عمل النواب في الأحزاب الوطنية ينصبّ على قضايا مجتمع جماهيرنا العربية الفلسطينية مواطني إسرائيل. وهذا واضح ومُثبت بالمعطيات والأرقام حول نسبة الاستجوابات، ومواضيع النقاشات، والرسائل الرسمية، والمشاركات والجولات الميدانية، وما إلى ذلك.
في الوقت نفسه، نؤكد بوضوح تام أنه يجب مضاعفة طرح مسائل القضية السياسية الكبرى، قضية شعبنا الفلسطيني، على كل منبر ومنصة في الكنيست وغير الكنيست، لأن هذا واجب وطني وإنساني وأخلاقي بالنسبة لكل فلسطيني ذي قامة وضمير وأصل وهوية وانتماء؛ وكذلك لأن من يهتم ويسعى بجدية إلى انتزاع حقوقه كمواطن عربي في دولة إسرائيل، يجب أن يعرف – أن يفكّر قليلا بصمت وعُمق وجديّة – بأن الاحتلال الإسرائيلي وما يترتب عليه من كوارث هو مشكلة العربي/ة في هذه الدولة رقم (1)، وهي ما يجب أن تلقى حلاً قبل كل شيء.
لماذا؟ لأن مكانة العربي الفلسطيني كعدوّ أو كإنسان من الدرجة الثانية، لا تختلف كثيرًا بنظر عنصريي وقومجيي المؤسسة الحاكمة (وهؤلاء هم الأغلبية!) على جانبي "الخط الأخضر". من ينظر إلى الفلسطيني في جنين وبيت لحم والخليل كعدوّ وخطر وقنبلة موقوتة، لا يمكن أن يرى في الفلسطيني من الجليل والمثلث والنقب مواطنًا كاملاً؛ بل إن صورة هذا الأخير مشتقّة من الصورة التي تنتجها المؤسسة الحاكمة للفلسطيني القابع تحت الاحتلال. وكل من يظن أن الأمور تتغيّر بمجرد قطع الخط الأخضر فهو واهم. ويجب ان ينظر إلى الواقع بشجاعة لا أن يخبئ رأسه كنعامة.
ثم أنه حتى من يفكر بمصالحه بالمصطلحات المادية المالية الاقتصادية فقط (وهذا مرفوض علينا)، يجدر به الإصغاء إلى ما يقوله حتى صهاينة عن الثمن الفادح للاحتلال، الذي لا يبقي ما يكفي من ميزانيات واموال عامة لتحسين وتطوير قطاعات وخدمات الصحة والتعليم والعمل والرفاه. هذه ليست مسألة رأي، هذه معطيات مادية ومعادلات حسابية بسيطة. هذا الاحتلال الذي لا يريد البعض أن تخوض فيه الأحزاب الوطنية، يبتلع معظم الميزانية العامة. فكيف هؤلاء يريدون أن تتحسن ظروفهم بينما هذه الكارثة – السياسية والأخلاقية والاقتصادية – تواصل البطش والتدمير؟ هناك حاجة لتفكير عميق وليس لترديد شعارات متسرعة وجوفاء.
ليس هناك "تضارب مصالح" بيننا وبين سائر شعبنا. هذه فرية تحاول ترويجها الأحزاب الصهيونية (وانضمت إليها الموحدة في ذلك للأسف مؤخرًا). وعليه، فإن واجب الأحزاب الوطنية مصارحة جماهيرنا بهذه الحقيقة، دون تردد ولا لف ولا دوران. من "يعاير" بأنها تطرح أيضًا قضايا شعبنا تحت الاحتلال يجب أن يسمع ردودًا واضحة، بكل احترام وبكل رحابة صدر، ولكن أيضًا بكل مبدئية وجرأة وحزم. ممنوع التعامل مع جماهيرنا بعقلية "المسايرة" وكأنهم "صبيان صغار" وقول ما يحلو للبعض سماعه. علمًا بأننا نتحدث عن أقلية وليس عن الرأي الأوسع لأكثرية جماهيرنا الوطنية قلبًا وقالبًا. احترام الناس والإخلاص لهم يقتضي قول كل الحقيقة لهم. سواء في انتخابات او بدون انتخابات.







