ينتفض شعب لبنان ضد سنين وعقود من القمع الاقتصادي الاجتماعي المتمثل بمنظومة مركبة معقدة من مراكز القوى المتوارثة، التي تجمع الزعامات الطائفية وبقايا الاقطاع ووكلاء الاحتكارات الضيقة القديمة والمستجدة، في مقابل جموع شعبية محرومة تعيش أعباء الإفقار والتهميش من جميع مركبات هذا الشعب.
ضمن هذه المنظومة، يتعرض هذا البلد العربي الى استباحة لموارده ومقدراته بسبب قيام تلك القوى الرجعية بلعب دور الوكيل لهذا النظام أو تلك الجهة الخارجية، سياسية كانت أم تجارية، دون التفات سوى لمراكمة أرباحها المالية وهيمنتها السياسية الضيقة. وهذا كله، القمع الاقتصادي والتفتيت الطائفي وتحكّم قوى رجعية بشكل طائفي وجهوي على حساب الموحِّد الوطني، يشكل البنية التحتية للفساد، والهيكل الذي يقوم عليه الفساد المُفقِر والمُحبِط والمهين لكرامة المواطنين جموعا وأفرادا.
لهذا فإن مطلب الانتفاضة الشعبية العارمة برفض ما سمي بـ"إصلاحات" أقرتها الحكومة، هي في الحقيقة قرارات"شكلية شعبوية" كما وصفها الحزب الشيوعي اللبناني، هو مطلب محق ويصب في خدمة المصلحة العليا وفي منظور الوعي الشامل للقضية. ويجب التذكير والتحذير بأن هناك رهانات كثيرة على هذا الاحتجاج الذي وحّد لبنان المقسم. منها رهانات على جعله يثمر عدلا أكثر وحقوقا أوسع. ومنها رهانات على تحويله الى أسافين تفاقم التفتيت وتكرّس السائد السيء.
إن صد الخيار الثاني – تعميق التفتيت - وضمان تحقق الأول –مزيد من العدالة والحق- منوط بالتسامي فوق الفئويات والارتقاء نحو الجامع الوطني، والطبقي. هذا هو السبيل لقطع الطريق على محاولات دفع هذا الاحتجاج العادل في عكس مصلحة اللبنانيين. ولهؤلاء الأشقاء العرب عبرة في تجارب سواهم من شعوبنا العربية وغيرها من أسرة الشعوب..





