أكّد التحقيق الذي نشرته "هآرتس" وكشف قيام جهات رسميّة بإخفاء وثائق وأدلة تنقل شيئا من تاريخ نكبة فلسطين، تاريخ تهجير معظم أهلها، أن الموقف السياسي الرسمي للمؤسسة الحاكمة الذي ينكر أية مسؤولية عن حدوث التهجير والتطهير العرقي لأهل هذه البلاد، قد انتقل الى مرحلة جديدة من تشويه التاريخ، حتى من خلال العبث بوثائق تاريخ إسرائيل نفسها..
لكن هذا الفعل بالذات يصوّر الحالة بدقّة: هناك مجرم يعود الى "موقع" الجريمة التي اقترفها لإخفاء الأدلة! وقد وصلت الأمور في بعض الحالات درجات عبثية، فلم يهتم مبعوثو السلطة بإخفاء وثائق ما زالت تحت السريّة وتُحجب عن الجمهور وعن حقّه بالمعرفة فحسب، بل جرى أخذ وثائق من عدة أراشيف وإقفالها في خزائن سريّة، على الرغم من أنه قد سبق كشفها ونشر مضمونها في مقالات وكتب اكاديمية وبحثيّة ومنابر صحفية.
هذا في الواقع سلوك يفضح، من جهة، مدى الهوس بإعادة كتابة التاريخ بأحرف التشويه والتلفيق والكذب، ويُظهر من جهة ثانية ان دوس كافة المعايير والأنظمة والأعراف التي يفترض احترمها من قبَل أي نظام حكم يدّعي أنه ديمقراطي سليم، قد انحدر بدرجات جديدة نحو الاستبداد؛ استبداد التحكّم بما يمكن (ويحقّ!) للمواطنين معرفته وما يجب منعه عنهم، هكذا، تعسّفًا..
لكن مهما وصلت محاولات التشويه فليس بمقدورها إخفاء الحقيقة. هذه ماثلة في وجدان ووعي وذاكرة وتطلّع كل فلسطيني/ة. وإذا كانت عمليات التطهير الفعلية بالسلاح والنار، وتدمير القرى ميدانيًا على الأرض، لم تنجح في إنهاء الوجود الفلسطيني ولا في طمس معالم الجريمة الكبرى للصهيونية، فهل يظن الحمقى أن إخفاء الوثائق في خزائن أكثر إحكامًا وعتمة، بوسعه حجب الشمس؟ خسئوا!





