جاء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في شرم الشيخ، والقاضي بوقف حرب الإبادة على قطاع غزة وإطلاق سراح الأسرى والرهائن، ليشكّل لحظة مفصلية يختلط فيها الفرح بالحذر، والأمل بالألم. فقد تحقق هذا الاتفاق بعد صمود أسطوري للشعب الفلسطيني في غزة، الذي واجه آلة الدمار والموت بكل ما فيه من قسوة يصعب تصويرها، وأفشل مخطط التهجير والإبادة الذي أرادته حكومة الاحتلال. وكان دور هام في هذا لكل من مصر والأردن.
لقد علت بتصاعد واضطراد موجة تضامن عالمية واسعة من جميع الشعوب، أعادت للقضية الفلسطينية حضورها الأخلاقي والإنساني في ضمير أمم العالم.
ويجب التشديد على أن وقف النار، مهما كان ضرورياً، لا يكفي بحد ذاته ما لم يُترجم إلى التزام كامل بإنهاء الحرب وسحب قوات الاحتلال من القطاع، وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية بلا قيود، ووقف الاعتداءات المتكررة على أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية. فالمأساة المستمرة منذ عامين كشفت مرة أخرى أن لا أمن ولا استقرار من دون إنهاء الاحتلال وتوابعه، وأن أي حل لا يقوم على الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية، سيبقي الصراع مفتوحاً.
إنّ هذه الحرب أثبتت بشكل قاطع أن القوة لا تصنع أمناً ولا سلاماً، وأن الشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي، لا يمكن أن يتحررا من دوامة الدم إلا بسلام عادل يقوم على المساواة وحق تقرير المصير. لقد آن الأوان لأن تتحمل القوى الدولية مسؤوليتها في ضمان تنفيذ كامل الاتفاق، لا كهدنة مؤقتة، بل كبداية لمسار سياسي جديد يعيد بناء غزة وينهي نظام الاحتلال والعنصرية والأبرتهايد.
لقد رسمت شتى التقارير كيف أنه في شوارع غزة، كما في الضمائر، تتعانق الدموع بالفرح. الناس يفرحون لأن الموت توقف، لكنهم يدركون أن التحدي الحقيقي يبدأ الآن: إعادة الإعمار، لمّ الشمل، وإعادة الحياة إلى مدن ومخيمات أنهكتها الحرب. فالهدف المنشود ليس وقفاً لإطلاق النار فقط، بل أمل وعمل لمستقبل مختلف، يُبنى على العدالة، ويصون كرامة الإنسان وكامل الشعب الفلسطيني في وطنه.


.png)
.jpg)




