تحل علينا الذكرى التاسعة والأربعين ليوم الأرض الخالد، فيما تملأ أجواء بلادنا سموم التحريض بل التخطيط لتهجير المزيد من الفلسطينيين من هذه الأرض، من أرضهم، في قطاع غزة ولكن ليس وحده.
في ذكرى هذا اليوم الكفاحي المجيد الذي صنعه بالموقف والمجابهة والدم هذا الجزء الحي الباقي في وطنه من الشعب العربي الفلسطيني، ما زلنا نقف أمام خطر مشاريع الاقتلاع الصهيونية للفلسطيني، ليس فقط معنويًا ومجازيًا من هويته وحيّزه الحرّ وسياقه الحضاري والتاريخي والسياسي، بل خطر التهجير الملموس.
فلم تتوقف بالمرة على امتداد سبعة عقود ونصف العقد ونيّف دعوات و"أمنيات" مواصلة مشروع التهجير الذي بدأته المؤسسة الإسرائيلية في النكبة. هذه العقيدة التطهيرية المجرمة لم تتنظّف منها أروقة الحُكم الإسرائيلي ولا بعض الذهنيّات الفاشية الاحتلالية الإحلالية. لذلك، فحين نقول إن النكبة ماثلةٌ ما زالت هنا والآن بمضامينها ومخاطرها، فإننا نشير إلى الحاصل اليوم بالضبط: التعنّت على التهجير والترانسفير والاقتلاع والطرد.
وهنا بالضبط يحضر يوم الأرض بما يحمله ويعنيه، سواء من حيث مشاريع السلطة التي جاء ليواجهها أو من حيث الرسالة التي صاغتها ورسّختها وأطّرتها بحروف من نور الجماهير التي صنعت هذا اليوم الخالد مع قيادتها التاريخية من قادة ورفيقات ورفاق الحزب الشيوعي وحلفائه وأصدقائه الوطنيين والتقدميين المناضلين الشجعان.
لم يُطوَ ملف الأرض من الواقع المادي إلى المجاز، فها هي الأرض مثلما كانت، في قلب المهداف والاستهداف. ومن يخيّل لها وله ان الأرض صارت في عداد الماضي، فليُعمل جهد التفكير: على الرغم من أن سياسة السلطة لم تُبقِ تقريبًا ما يمكن مصادرته، فإن قضية الأرض لا تزال في مركز هموم واحتياجات الجماهير العربية، في السكن وسائر الخدمات من تعليم وعمل وصحة ورفاه.
بل لا تزال العامل الأساس في تشكل الشعور العام والنفسية العامة ايضا: خنق بلداتنا وحصارها وصد التوسع الجغرافي والتطور الحيّزي بما يحمله عنها، لا يهندس المكان ويؤثثه فقط، بل يهندس النفوس وما يؤثثها من تفكير وشعور. الأرض دون أية مبالغة هي قضية وجودية في وضعنا. ليست مسألة انتهى مفعولها ولا قضية "رومانسية" بل هي أكثر ما يؤثر على حياة ومستقبل كل شاب وشابة عرب واهلهم واولادهم المستقبليين.
لهذا، فالنضال المطلوب والمفيد اليوم ليس فقط للحفاظ على ما تبقى، بل لمطالبة السلطة بتوسيع حيز بلداتنا عبر اعادة أراضي تم سلبها لغايات مختلفة وبتسميات متنوعة بغية ضمّها لاحتياطي النهب. إن ملف الأرض لا يزال مفتوحا، وهذا يشمل عدم التسليم بأن كل ما نُهب قد ضاع، بل التفكير والإصرار على استعادة كل شبر ممكن بأدوات القانون والسياسة والنضال الشعبي.
عاش يوم الأرض الخالد.





