سلط تقريران صدرا هذا الاسبوع الاهتمام على فداحة جريمة الحرب الاسرائيلية المقترفة ضد المدارس الفلسطينية واللبنانية، بكل ما يعنيه الأمر في العمق من معانٍ ودلالات.
ففي قطاع غزة، وثّقت "هيومن رايتس ووتش" نمطًا ممنهجًا من استهداف المدارس التي كانت تستخدم كملاجئ للنازحين، ضمن حملة عسكرية وصفتها المنظمة بأنها اتّسمت بالاستهتار بحياة المدنيين. بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2024، تعرّضت أكثر من 80 مدرسة لضربات جوية أو قصف مدفعي، بعضها بشكل مباشر، رغم أنها كانت تُستخدم كمراكز إيواء.
الغارات تسببت بمقتل مئات المدنيين، بينهم أطفال ونساء، ممن لجأوا إليها طلبًا للأمان بعد نزوحهم من منازلهم جرّاء القتال. المنظمة أشارت إلى غياب أي أدلة على وجود أهداف عسكرية داخل هذه المدارس في وقت الاستهداف، ما يجعل تلك الهجمات غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني، بل يُحتمل أن تُشكّل جرائم حرب. كما أن إسرائيل لم تُقدّم حتى الآن مبررات علنية أو معلومات استخبارية تُبرّر استهداف المدارس، رغم المطالبات المتكررة من منظمات دولية. هذه الاعتداءات، بحسب التقرير، ساهمت في انهيار شبه كامل للمنظومة التعليمية في غزة، وفاقمت الكارثة الإنسانية المستمرة في ظل الحصار ونقص الموارد. ودعت المنظمة إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة، وفرض عقوبات على المسؤولين عن تلك الانتهاكات، ووقف فوري لتصدير الأسلحة لإسرائيل ما دامت تُستخدم في هجمات غير قانونية ضد المدنيين.
وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن قوات الاحتلال الإسرائيلي احتلت وخربت مدارس في جنوب لبنان خلال المواجهات مع حزب الله بين أيلول وتشرين الثاني 2024، وفي حالات عديدة، ارتكبت ما يُفترض أنها جرائم حرب، بما في ذلك تدمير ونهب متعمد لمرافق تعليمية في خمس مدارس على الأقل، بينها مدرستا الناقورة ويارين. وجدت المنظمة أدلة مثل كتابات ورسومات بالعبرية ومخلفات غذائية إسرائيلية، تُشير إلى احتلال مباشر للمباني المدرسية.
وثّقت المنظمة آثار التخريب، بما يشمل تدمير معدات صفية وتكنولوجية، بعضها كان تبرعات من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وبرامج مثل "كتابي". في مدرسة يارين، شوهد جنود من لواء "غولاني" الإسرائيلي داخل الصفوف، وأُبلغ عن تحويل غرف التدريس إلى غرف نوم. في الناقورة، عُثر على كتابات عبرية مثل "سبت سعيد يا شعب لبنان"، ومعدات مدمرة.
إن الحرب حين تتوحش، عقلية وممارسة وسياسة، لا تعود في عرفها محرمات. حين يكون قتل الاطفال مسألة يومية ومنهجية، فلن يعود فرق بين المدرسة وغيرها من مواقع بكونها هدفا للنيران. إن العالم بات يحتاج الى انعطافة هائلة في أكثر مفاهيم السياسة أساسية، من أجل العودة الى بعض الرشد والأخلاق، بعيدا عن حضيض الاجرام السياسي.





