أول شهيد

single

كان صيف عرابة عام 1948 حارًّا جدًا، وليس باردًا كصيف البروة. بروة أحمد درويش، ففي صباح يوم حزين من ذلك الصيف، وإذا بطلائع المشردين من صفورية وعيلوط ومن لوبية ونرين، من الشجرة وحطين، تقطع سهل البطوف متجهة إلى عرابة.
كان المنظر حزينًا ورهيبًا عكس في النفوس كل مشاعر المرارة والأسى، توالت موجات المشردين، وهي تطل علينا في ذلك الصباح، موجة اثر موجة من ظهر الرابية الجنوبية مجموعة من تلك الموجات، عرجت بعض النسوة فيها على كرم الزيتون المحاذي للطريق وتحت شجرة وافرة الظل جلسن حول امرأة، وقد جاءها المخاض فساعدنها حتى وضعت حملها ثم قمن يواصلن السير.
صاحب الكرم الواسع، وخلال تجواله بين أشجار الزيتون التي رباها وأحبها كثيرًا، شاهد مجموعة النساء تحت الشجرة فابتعد عنهن في تجواله الذي امتد بعض الوقت. مر بالشجرة التي استظلت بظلها مجموعة النساء وقبل ان يصلها سمع صراخًا وكان صراخ المولود الذي تركته أمه في رعاية الله كما قالت عند وداعها والدمع يفيض من عينيها.
أخذ صاحب الكرم الطفلة الوليدة وعاد بها مسرعًا إلى البيت ليهديها إلى زوجته التي أنجبت خمسة من البنين وكم تمنت ان يعطيها الله ابنة لتساعدها في عملها وتعتني بها عند الكبر، وها هو الرب أعطى ثم أخذها فيما بعد.
جميع أهالي بلدي تجمعوا في الحي الجنوبي الغربي للقرية على طول الشارع الممتد من مضافة أبو إسماعيل حتى ديوان أبو حسين وأنظارهم تتجه إلى الجهة التي كانت تدفع بأمواج المشردين إلى بلدهم.
ذلك المنظر الحزين شاهدته طفلا ورأيت الشيوخ وقد افطروا جميعًا في ضحى ذلك اليوم من شهر رمضان احتجاجًا وغضبًا.
تتابعت أمواج المشردين وكثرت حتى ضاقت البيوت العرابية بالمئات من العائلات فانتشرت الآلاف الأخرى في كروم الزيتون وخاصة تلك القريبة من عين البلد ليشربوا من نبعها.
وراء كل عائلة مأساة، لكن أمل العودة إلى بيوتهم كثيرًا ما تحرك في الوجدان فخفف من إحزانهم وقلقهم بعض الشيء، سرية جيش الإنقاذ التي حطت في القرية قبل أسابيع لم تقدم للمشردين دعمًا أو مساعدة ولو بسيطة جدًا، رأيت احد إفرادها ينظر إلى أفواج المشردين وهي تطل على عرابة عبر المنظار الذي كان يحمله ولم نعرف هدفه.
خلال أسبوع أو أكثر فرغت كروم الزيتون من جموع المشردين ولم يبقَ فيها ولو عائلة واحدة. يومها سألت، فقيل لي أنهم رحلوا شمالا إلى لبنان.
بعد ذلك بأسابيع، وإذا بالدوريات اليهودية تجوب سهل البطوف بجيباتها الكثيرة. وفي بعض الأحيان كانت تكمن لتفاجئ الفلاحين الذين كانوا يتسللون إلى السهل لقطف كميات محدودة من الذرة.
تلك الكمائن كثيرًا ما أطلقت النار عليهم ثم طاردتهم لأسرهم،  والسعيد من نجا من الموت أو الأسر والبعض لقُوا حتفهم مثل الفلاح حمد طربيه جد الدكتور حمد طربيه ابن سخنين وأبو قاسم العنان من عشيرة السواعد بعد ان رفضا ترك جمالهم المحملة بأكياس الذرة فكان نصيبهما بعض رصاصات من رشاشات القوة الغازية.
واصلت القوات اليهودية تجوالها اليومي في سهل البطوف، حتى وصلت أطرافه الشمالية تبحث عن الفلاحين لتطلق عليهم النار وأيضًا على العائدين إلى بيوتهم في الناصرة وقراها التي صمدت أمام عواصف التشريد وقتلت العديد منهم.
في إحدى المرات تقدمت حتى سخنين فما كان من شباب المقاومة إلا ان تصدوا لها وكانت تلك أول مواجهة لهم مع القوات اليهودية، استمر إطلاق النار ساعات فما كان من الشباب إلا ان استبسلوا فغادروا مواقعهم على سفح الجبل وتقدموا نحو جيبات القوات المعادية ليصطدموا معها عن قرب.
من أولئك الشباب أحمد جراد شاب في العشرين من عمره، كان قبل شهر يعمل في الشرطة البريطانية والتي أسماها الفلاحون "البوليس الإضافي" كان الشرطي أحمد يكره الضباط الانجليز الذين اغتصبوا وطنه، وحاولوا دائمًا إذلاله ورفاقه الشباب العرب في الشرطة.
انحاز أحمد بالكامل لقضية شعبه، حتى قرر ذات يوم ان يهرب بسلاحه من المعسكر البريطاني ليدافع به عن بلده ووطنه خاصة وانه علم بدوريات اليهود، وكما توقع حدثت المواجهة الأولى وما ان سمع المنادي: "على الخانوق يا شباب" "وينكم يا رجال النخوة والشجاعة" "قوات اليهود وصلت سخنين وهي في طريقها إلى البلد".
فما كان من أحمد إلا ان لبى النداء، حمل بندقيته ثم أسرع ورفاقه الشباب. رأيتهم طفلا يركضون إلى ارض المعركة واذكر منهم رسمي الحلو، علي الصح، محمد العريطي، علي الأسعد وغيرهم كثيرون على سفح جبل غيث، كان رصاص مدافعهم الرشاشة يصل إلى مواقع الشباب . يومها تقدموا نحو جيبات العدو ومنعوا تقدمها.
لكن جنود الغزو لم يتراجعوا، وعندما شاهدوا مجموعة الشباب منهم أمطروها بوابل من رشاشاتهم وأسلحتهم المختلفة.
من أولئك الشباب كان أحمد جراد نعامنة وقد تقدم بعيدًا عن رفاقه حتى 25 مترًا عن جيبات العدو، ولم يفكر بالتراجع أبدًا.
أحد الجنود صوب رشاشه إلى أحمد فأصابه إصابة مباشرة في صدره وجبينه فخر شهيدًا وما ان انسحبت آليات الهاغانا حتى هرع الشباب إلى شهيدهم يحملونه على الأعناق إلى عرابة وفي مقبرة المراح أودعوه ثراها الطيب، بعد ان حيوه بطلقات من الرصاص زغردت في سماء الحي، فحولت الموكب الجنائزي إلى عرس للشهيد.
أحمد جراد، أول شهيد سقط في أول مواجهة مع القوات اليهودية، وقد حاولت يومها الصعود إلى الجبل وطرد شباب المقاومة من مواقعهم أو أسرهم والهدف الأهم في مخططهم احتلال عرابة وتشريد أهلها وبالتالي كل قرى الجليل المركزي.
هكذا ارتقى أحمد جراد ابن العشرين ربيعًا إلى العلا راضيًا ومبتسمًا كما شهد رفاقه. وفي مقبرة المراح سجي الجثمان الطاهر بالقرب من اخوته الشهداء الذين ارتقوا إلى عليين خلال المعارك مع القوات البريطانية والتي دارت بالقرب من عرابة خلال ثورة 1936.
من أولئك الشهداء الثائر فايز شحادة نعامنة ابن عرابة الذي صرعته طائرة بريطانية، إذ أطلقت عليه وابلا من رصاصات مدفعها الرشاش عندما كان في طريقه إلى الظهرة مقر قيادة الثورة.
ومنهم الشهيد يوسف الخطيب ابن مجيدل الناصرة بلد الشروقيات بلد الحاج فرحان كما وصفها الشاعر أبو السعود الاسدي في أيام عزها وليالي الأمن والأمان، فقال:
قبل على مجيدل الناصرة أم الشروقيات بالحاج فرحان كان الشعب فرحان
والشهيد احمد جراد نعامنة لا يعرف عن إقدامه وشجاعته وعن وفاته واستشهاده الآلاف من شباب عرابة اليوم، بلد الأطباء والجامعيين.
أليس هذا عارنا وعظيم إهمالنا لأبطال بلدنا؟



(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لأنّني لن أكون إلا أنا

featured

"سلام" بدون "لا"...

featured

رياح ثورية تهبّ على العالم العربي

featured

سنُزرَعُ بترابك يا وطن

featured

مؤتمرات المسخرة

featured

قرصنة أميركية

featured

"التغذية القسرية": "قيم الاحتلال" هي التي تُملي هوية الدولة