رحم الله رجلا من قريتي.. أطلق اسم – تمام – على مولودته البنت والتي كانت رقم 9 عنده على التوالي.. نظر المرحوم يومها إلى السماء وخاطب رب العالمين صارخًا تمام – يا ربّ – تمام. ثم نظر إلينا وكنا نتأمل سلوكه فضحك لنا لأنه عرف اننا استهجنَّا أمره. فدعانا وذهبنا سوية لتناول الحلوى وشكرنا الله جميعًا على سلامة الوالدة والمولودة معًا.
المجال هنا – ليس للنقاش حول مفاهيم مجتمعنا أيهما أهم وجود الذكر أم الأنثى في الأسرة!! أظن ان هذا الأمر لا ينتهي بحلقة واحدة أو حلقتين فالمفاهيم والمعتقدات مشرّشة في المجتمع آمنت الناس بها منذ أجيال وتناقلها الخلق جيلا بعد جيل إلى ان وصلنا إلى أيامنا وكما قلت لنتركها لحلقة قادمة!
ولكن أن يقف العربي في هذه الأيام ويصرخ بأعلى صوته قائلا تمام.. يا ناس.. تمام لعمري هي.. اضعف الردود والانعكاسات لهذه المهاترات الدائرة من حولنا وباسمنا.. والتي يشارك فيها القاصي والداني من هذا العالم الواسع الذي يتكشّف نفاقه يومًا بعد يوم وحدثا بعد حدث!
تبشرنا المواقع في يوم 26/2/2012 "بانطلاقة" "المؤتمر الدولي لدعم القدس" ومن أين؟! من الدوحة! من القاعدة العسكرية الأمريكية الأكثر نشاطًا في عالمنا المعاصر! مؤتمر دولي يحضره المئات من كل بلاد العالم وحضروا تلبية لدعوة أمير البلاد حمد ورئيس وزرائه حمد "اللذين طلع منهم بقر وعجول" (مع الاستئذان من الكاتب محمد نفاع) – موضوع المؤتمر دعم القدس!
إن مجرد عقد الاجتماع المذكور.. في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ المنطقة يؤشر إلى ان في الأمر (إنَّ). لان منطقتنا تشهد في هذه الأيام صراعًا مكشوفًا بين تيارين وبحسب نتيجته يقرر مصير المنطقة!
تيار الهيمنة والركوع بزعامة أمريكا وإسرائيل وتدعمهما في ذلك أنظمة الاستسلام والخنوع العربية ضد تيار الوعي والكرامة الوطنية الذي لم يبق منه اليوم إلا سوريا والتنظيمات المقاومة للمحتل المقاومون للعربدة واستغلال الشعوب في البلدان العربية!
أنا سعيد جدًا بهذا الخلاف المكشوف والمفضوح، فالخلاف كان موجودًا طيلة الوقت ولكن كان يغطي عليه "التضامن العربي"، خلاف مكشوف الآن وفر علينا الآمال التي علّقناها على اجتماعات "القمة العربية" في الماضي. ففي كل مرة التقى فيها "الأشقاء العرب" حبسنا أنفاسنا ننتظر القرارات والتوصيات وفي كل مرة وبدلا من ان تكون لحمايتنا فإذا بها مصادقة على الاملاءات الأمريكية العدوانية التي بفعلها واعتمادًا عليها غزا الغرب المتحضر أفغانستان وليبيا، غزة، لبنان والسلطة الفلسطينية دفاعًا عن "حقوق الإنسان والديمقراطية". وها نحن نرى النتيجة في خراب العراق وخراب أفغانستان والاضطرابات في ليبيا ولبنان والحبل على الجرار...
إذًا فقبل ان يفعل هذا الحلف الدنس فعلته لتخريب سوريا وإخضاعها اليوم ها هم يقومون الآن بفعل شيء ما لفلسطين، شيء لا يتعدى الكلام تتلهى به شعوب العرب والمسلمين المتعطشين لكل ما فيه دعم للقضية الفلسطينية. ومن هنا تم انعقاد "المؤتمر لدعم القدس" ليتم التحضير في الخفاء لعملية فعّالة في سوريا لإخضاعها للهيمنة الأمريكية وتركيعها، وإذا لم يتم ذلك فإغراقها بالحرب الأهلية... والهدف هو خلق واقع جديد يشغل بال العرب والمسلمين والعالم عن القضية الفلسطينية والممارسات الإسرائيلية الهادفة لتصفيتها والتخلص منها!
"مؤتمر لدعم القدس" كلام بكلام – يشهد على ذلك تقرير موقع في الانترنت وكتب فيه صاحبه – من اعضاء وفد عرب الـ 48 المشارك في المؤتمر - ما يلي: "يفتتح في هذه الاثناء في العاصمة القطرية الدوحة، "المؤتمر الدولي من اجل القدس".. بخطاب سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر ثم خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ثم يليه خطاب مندوب الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية "رئيس جمعية القدس"(أنعم وأكرم)، يليه خطاب ثم خطاب ثم خطاب.. إلى آخر المشوار. مؤتمر حكي بحكي، ولكن المؤلم فيه انه يتم بمشاركة الفلسطينيين أنفسهم من الرئيس ونازل وعرب الـ 48 أيضًا وبينهم تمثيل للمسيحيين! فذكر التمثيل المسيحي تطاول لان الأمر والوطن لا يشغل المسلمين فقط بل المسيحيين في هذا الوطن الكثير والكثير..
كفى أيها الاخوة لعبًا بمشاعرنا، فليقف كل عند حده. فللأمير حمد (قاتل أبيه ليتسلّم الإمارة من بعده) أقول: بارك الله فيك فدورك في الدفاع عن كرامة العرب معروف! وللملك محمد السادس "رئيس جمعية القدس" برامجك من اجل الحفاظ على القدس إسلامية وعربية مدمرة لإسرائيل، فاحترامًا لك وخوفًا منك امتنعت إسرائيل عن بناء جدار العزل وتقديرا لدورك ودور أبيك المرحوم الملك الحسن الثاني الذي أورثك الجمعية. فإسرائيل تخاف منك فلا تهدم منازل العرب وتبني الشقق الجديدة للعرب فقط!
أما لأهلنا في السلطة الفلسطينية أنصحكم من كل قلبي ان تحترموا أنفسكم وتزيلوا النزاعات من بينكم أولا، وتذكروا المثل القائل "الحجر مطرحه قنطار" التزموا بيوتكم أفضل من المشاركة في هذه المسخرات فعدم المشاركة ربما كان بتغيير المنكر في القلب.. وهذا أضعف الإيمان.
ولوفد عرب الـ 48 أذكّركم برحلتكم في السنة الماضية عند العقيد القذافي – رحمه الله – وكيف اننا ما زلنا نعيش خزيها وعارها إلى اليوم! قال المثل "الوحدة خير من جليس السوء"، وليتذكر كل منّا ان احترامنا لأنفسنا يزيد من احترام الناس لنا والعكس بالعكس صحيح.
قطر تبقى قطر. مهما حاولوا نفخها كالبالون، هي محمية أمريكية.. كغيرها من ممالك وإمارات عرب اللواط، دورهم في التآمر على مصالحنا ما زال مستمرًا منذ القرن الماضي.. آن الأوان لنقتنع نحن ونمتنع عن المشاركة في هذه المهاترات، فليس لنا ان نلوم الآخرين على استرخاص قضايانا وعلى إهمالنا وعدم التضامن معنا.
(دير الأسد)
