تشتت الخارطة السياسية الإسرائيلية - عوامل وتأثيرات

single

أزمات تولد أزمات. الكنيست

 

  • السعي لتضييق دائرة القرار
    • لم تكن ولادة حزب "كديما"، في خريف العام 2006، مجرد نشوء حزب جديد ناجم عن انشقاق عادي، بل كان في خضم حديث واسع في الساحة الإسرائيلية، وعلى المستويات المختلفة، وخاصة بين أوساط كبار أصحاب رأس المال، وأوساط أكاديمية ذات شأن في الساحة الإسرائيلية، وظهر في تلك الفترة مصطلح "البحث عن الرجل القوي"، ولم يكن في تلك المرحلة أقوى من شخصية شارون، الذي كان مع شمعون بيرس آخر الشخصيات في الحلبة السياسية التي رافقت إسرائيل منذ نشوئها.
      فكلما كنا نتقدم في سنوات التسعين ومنها إلى سنوات الألفين، كنا نرى ازدياد نفوذ كبار أصحاب رأس المال في الأحزاب الكبرى، وفي الأحزاب التي تدور في فلك السلطة وتتناوب على المشاركة في الائتلاف الحاكم، ولم تكن تمر موجة انتخابات داخلية في الأحزاب الكبرى، إلا وظهرت لوائح كبار أصحاب رأس المال الذين تبرعوا لهذا السياسي أو ذاك، ومن ثم للأحزاب، وخلال تلك الفترة تم سن قوانين تفرض أنظمة وقيود على حجم التبرعات، ولكن هذه القوانين فيها ما يكفي من الثغرات التي تسمح بالالتفاف عليها، ومن هنا كانت الطريق قصيرة جدا للاصطدام مع القانون وفتح ملفات فساد ومحاكمات طالت سياسيين كبار.
      وقد استثمر كبار الأثرياء هذا النفوذ لضمان سياسة اقتصادية تضمن مصالحهم وتوسعها، ومع التوسع والتطور الاقتصادي المستمر، تضخمت الاحتكارات في إسرائيل، وفي نفس الوقت بدأ الحديث في إسرائيل عن مساعي "خفية" من وراء الكواليس، لكبار الأثرياء، الذين يطمحون إلى تضييق دائرة اتخاذ القرار في المؤسسة الحاكمة، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الاقتصادية، ومن هنا جاءت فكرة أو مقولة "الرجل القوي" القادر على فرض "هيبته" على المؤسسة، وقادر قبل ذلك على جذب الجماهير الواسعة.
      وقد أثبت أداء حزب "كديما" كحزب حاكم، كل ما كان يجري الحديث عنه من قبل، بشأن تضييق دائرة القرار، وبشكل خاص ضرب المؤسسة التشريعية بمختلف الأنظمة الجديدة، وضرب البرنامج اليومي للكنيست، وكذا بدء السعي لضرب ما يُعتبر في الساحة الإسرائيلية، "استقلالية" جهاز القضاء.
      ومن يراقب عمل الكنيست على مدى سنوات طوال، سيلحظ أنه في الدورة الـ 17، أي التي أفرزتها انتخابات العام 2006، وبعدها أيضا الدورة الـ 18 الحالية، سيلحظ كليا أنه جرى ضرب جدول الأعمال وتقليص القضايا التي تطرح على الهيئة العامة والكنيست، بأكثر من النصف، من دون مبالغة.
      فالهيئة العامة للكنيست تعمل ثلاثة أيام أسبوعيا، من الإثنين إلى الأربعاء، وعلى مدى ثمانية اشهر سنويا تقسم على فترتين، وقد بلغ ضغط القضايا والقوانين التي عالجها الكنيست في الدورة الـ 16 مثلا، إلى حد أن فكّر رئيس الكنيست في حينه رؤوفين رفلين، والذي يرأس الدورة الحالية أيضا، في تمديد عمل الهيئة العامة بيوم إضافي هو يوم الخميس.
      ولكن منذ بدء الدورة الـ 17 والدورة الحالية، فقد تحول جناح مكاتب وقاعات اللجان البرلمانية صباحا إلى أشبه "بمدينة أشباح" بعد أن غابت عنه حالة الصخب التي كنا نشهدها صباح كل يوم، أما عمل الهيئة العامة، فإن يوم الثلاثاء بات يوم عمل شكلي، سرعان ما يتم الإعلان عن انتهاء جلسة الهيئة العامة، وأحيانا كثيرة بعد ساعة ونصف الساعة من افتتاحها، وهي الجلسة التي كانت تستمر لساعات.
      وقيل في الدورة الـ 17 أن هذا نهج رئيسة الكنيست في حينه داليا إيتسيك، التي سعت إلى حماية الحزب الحاكم "كديما" بسبب ضعفه برلمانيا، ولكن هذا يبقى عاملا هامشيا كليا، والإثبات على هذا الاستنتاج، هو رئيس الكنيست الحالي رؤوفين رفلين، الذي قاد الكنيست في الدورة الـ 16، وكان ساعيا بشكل دائم إلى تكثيف جدول الأعمال، ولكن أداءه في الدورة الحالية معاكس تماما، إذ واصل نهج سابقته وعززه أكثر.
      فمع بدء الدورة الـ 18 سعى الائتلاف الحاكم إلى فرض أنظمة وتعديل قوانين بسرعة البرق، في جوهرها ضرب دور المؤسسة التشريعية في مراقبة الحكومة، منها ما اعترض عليه رفلين، نظرا لطابعها المفضوح، ومنها ما مد اليد له وساعد على تمريره.
      ونذكر هنا قانونين في منتهى الأهمية، وهما تعديل قانون كبير خلال يومين فقط، يتيح للحكومة بتقديم مشروع ميزانيتين لعامين في آن واحد، وهذا كان مطلب المسيطرين على الاقتصاد، والثاني وهو الأخطر تعديل قانون ما يسمى "أراضي الدولة"، الذي يتيح للدولة ببيع الأرضي وليس فقط تأجيرها لأمد طويل، بما في ذلك أراض عربية بملكية خاصة جرت مصادرتها على مدى السنين، تحت زعم "المصلحة العامة" ولم يتم استخدامها، وتضمن القانون ما يمنع أصحاب هذه الأراضي من استرجاعها بسبب عدم استخدامها لما يسمى بـ "المصلحة العامة"، ونستطيع من هنا معرفة من المستفيد المباشر من هذه القوانين: كبار أصحاب رأس المال.
      إلى ذلك فقد تم وضع أنظمة برلمانية جديدة باتت تحد من قدرة النواب على سن قوانين اقتصادية واجتماعية تتعارض مع رغبة الحكومة والسياسة الاقتصادية، ويقضي النظام المعمول به في الدورتين الأخيرتين، أن كل قانون اقتصادي أو غير اقتصادي، تفوق تكلفته خمسة ملايين شيكل، بمعنى 1,25 مليون دولار، وهو مبلغ تافه جدا في الاقتصاد الإسرائيلي، يجب ان يحظى بأغلبية لا تقل عن 50 نائبا، بمعنى أنه لو حصل القانون على غالبية المتواجدين في القاعة، وكانت الغالبية 49 نائبا، لسقط القانون، وقد حصلت عدة حالات كهذه، وهذا وغيره يؤكد حقيقة المساعي لتغيير وجه نظام الحكم في إسرائيل، وتقليص حجم تأثير الهيئة التشريعية على السياسات والاستراتيجيات العامة التي توجه نظام الحكم في إسرائيل.
      أما على مستوى جهاز القضاء، فمن جديد يظهر اسم حاييم رامون، السابق ذكره في عدة متغيرات في أوائل سنوات التسعين، فقد سعى رامون إلى تغييرات في نظام اختيار القضاة، وبشكل خاص في المحكمة العليا، وكان في حالة صدام مع رئيسة المحكمة العليا القاضية دوريت بينيش، إلا أن رامون "تورط" في قضية تحرش جنسي، بتقبيله مجندة إسرائيلية في مكتب رئيس الحكومة، كلفته لائحة اتهام والحكم عليه بالعمل لمصلحة الجمهور لفترة قصيرة، وهذا ما أوقف كل ما بادر له، ولكن قضيته كانت محط تساؤلات في الساحة الإسرائيلية، وقد خصص مراقب الدولة العام تقريرا حول ملابسات قضيته، وظهرت شبهات حول تدخل جهات خارجية في مسألة إعداد لائحة اتهام ضد رامون.
      ولكن من آتى بعده، كان المحامي دانييل فريدمان، وقيل في حينه أن فريدمان هو واحد من العقول المدبرة للأفكار التي طرحها رامون، إلا أن فريدمان وصل إلى حكومة لم تكن بهذا القدر من التماسك لتنجح في تمرير قوانين بهذا المستوى من الحساسية، ترمي إلى تغييرات بنيوية مصيرية في جهاز القضاء.
      وكما حصل في جدول أعمال الكنيست، حصل أيضا في ما يتعلق بالسعي إلى ضرب جهاز القضاء، بمعنى انه في الدورة البرلمانية الحالية، واصل حزب الليكود وأحزاب اليمين المتشدد، ومعهم أسماء بارزة أيضا من حزب "كديما" المعارض، في السعي إلى إجراءات تهدف إلى تغييرات كبيرة في جهاز القضاء.
      ولكن اليمين المتشدد يعمل بوضوح اكبر مما كان في حكومة حزب "كديما"، فهو سارع من أجل تغيير بنية لجنة تعيين القضاة، لضمان أغلبية واضحة لليمين المتشدد، وسعى إلى إلغاء أنظمة تقليدية قائمة في اختيار رئيس المحكمة العليا، وغيرها من الإجراءات، والملفت للنظر، أن كل واحد من هذه الإجراءات، ألصقت به وسائل الإعلام، ومعها شخصيات سياسية، اسم أحد القضاة أو أكثر، من المستفيدين من هذه التغيرات، والجامع بينهم جميعا، أنهم محسوبون على التيار اليميني المتشدد.
      والأهم من هذا، هو أن اليمين يسعى إلى انتخاب رئيس جديد للمحكمة العليا الإسرائيلية، يتبنى فكرة عدم تدخل جهاز القضاء الزائد في القرارات الحكومية والبرلمانية، وهذا وحده، يعكس الهدف، ويعيدنا إلى دائرة السعي إلى تقليص دائرة القرار في المؤسسة الإسرائيلية وضرب الهيئة التشريعية والجهاز القضائي.
      في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن كبار اصحاب راس المال، لم يكتفوا في البحث عن "الرجل القوي"، بل أرادوا هم أيضا استثمار القوة اليمينية المتشددة المتصاعدة، إذ لاحظوا أن قوى اليمين معنية هي أيضا بقلب موازين النظام وتضييق دائرة القرار، ولهذا شهدنا عدة حالات من التعاون والتنسيق.
      ولربما أن ما يعبّر عن هذه الحالة، كانت حملة أوساط شعبية في إسرائيل، للضغط على الحكومة من أجل زيادة حصتها في أرباح حقول الغاز التي تم العثور عليها قبالة شواطئ مدينة حيفا وغيرها، في البحر الأبيض المتوسط، إذ أنه في اتفاقيات التنقيب عن الغاز اختارت الحكومة لنفسها نسبة زهيدة، ولكن بعد أن تبين ان هناك حقولا ضخمة جدا، قامت حملة شعبية تطالب بفتح الاتفاقيات.
      وفي المقابل لم يكن من كبار الأثرياء الذين فازوا بعمليات التنقيب إلا أن قادوا حملة مضادة ضد الحملة الشعبية استخدموا فيها عبارات سياسية يمينية متطرفة، مثل أن الحملة الشعبية تريد لإسرائيل "أن تبقى رهيبة لغاز العرب"، وغيرها من العبارات، التي كانت تنشر كإعلانات في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة.

      • استئناف البحث في تغيير النظام

      لم تكن نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في العاشر من شباط/ فبراير العام 2009، بغير حال عن الانتخابات السابقة، واستمر ضعف الكتلتين الأكبرين نسبيا، إذ أنهما لم تحققا أكثر من نصف المقاعد مجتمعتين، وكما في الدورات السابقة، فإن ضعف الكتلة الأكبر التي يناط بها تشكيل الحكومة، يضطرها إلى تشكيل حكومة استقرارها يبقى صعبا، ولكن ما ميز حكومة بنيامين نتنياهو عن سابقاتها في العقدين الأخيرين، أنها تستند إلى تكتل يميني متشدد من 65 نائبا، يتفق على سياسة رفضية لحل الصراع، وتؤجج القوانين العنصرية.
      ويستغل نتنياهو المعروف بالتصاقه بمصالح كبار المسيطرين على الاقتصاد الإسرائيلي، هذا التلاحم السياسي في حكومته لتمرير سياسة وقوانين اقتصادية تخدم من دعموه أساسا للعودة على رأس حكومة، قد تكون الأكثر استقرارا منذ العام 1988، في حال بقيت الظروف الراهنة على حالها، في مختلف المستويات.
      وكانت نتائج الانتخابات البرلمانية الـ 18 في العام 2009 كالتالي: 28 مقعدا لحزب "المعارضة" "كديما" الذي لم ينجح في تشكيل الحكومة، ثم 27 مقعدا لحزب الليكود الحاكم، و15 مقعدا لحزب "يسرائيل بيتينو"، بزعامة أفيغدور ليبرمان، أما حزب "العمل" ولأول مرّة في تاريخ إسرائيل، فيحل في المرتبة الرابعة، ليحصل على 13 مقعدا، وبعد عام ونصف العام من الانتخابات، يبادر رئيسه، وزير الأمن إيهود باراك، لشقه مع أربعة نواب آخرين، ويشكل كتلة من خمسة نواب تبقي على الشراكة في حكومة نتنياهو، وقد أقدم باراك على هذه الخطوة، قبل صدور قرار نهائي في حزبه يقضي بالانسحاب الكلي في حكومة نتنياهو.
      وحصلت كتلة "شاس" على 11 مقعدا، ثم "يهدوت هتوراة" على خمسة مقاعد، وكتلتا المستوطنين على 7 مقاعد، وكتلة ميرتس على 3 مقاعد، فيما حصلت الكتل الثلاث التي تمثل الشارع العربي على 11 مقعدا.
      في هذه الدورة البرلمانية يظهر "الرجل القوي" في شخص نتنياهو، ولكن أمامه شخصية ندية، رغم شراكته في الائتلاف الحاكم: وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان.
      لقد دخل ليبرمان الدورة الحالية وفي جعبته، عدا سلسلة من القوانين العنصرية، سلسلة أخرى من الاقتراحات لتغيير النظام الانتخابي، وحتى أنه بداية لّوح بمطلب تغيير النظام الحاكم، وتحويله إلى جمهوري، وحينما لم يجد تأييدا لمطلبه، عاد وطرح سلسلة من المطالب لتغيير النظام الانتخابي، من بينها فسح المجال أمام حملة الجنسية الإسرائيلية والمقيمين بشكل دائم في الخارج، بمعنى مهاجرين، التصويت في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وهو ما سبق ذكره هنا، ومن أجل "إرضائه" شكل نتنياهو لجنة لفحص أشكال تغيير النظام الانتخابي.
      وفي السنوات الأخيرة ظهرت عدة توصيات، من بينها توصيات طاقم عمل في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، ومن قبله لجنة شكلها رئيس الدولة السابق موشيه كتساب، ومقترحات صدرت عن طواقم أكاديمية، وتعددت فيها المقترحات، إلا أن من أبرزها، الاتجاه لزيادة عدد مقاعد الكنيست، ومناصفتها بين انتخابات قطرية نسبية، وإقليمية، إضافة إلى المطلب الدائم برفع نسبة الحسم.
      وكل هذه المقترحات تجد صعوبة في التنفيذ، فزيادة عدد أعضاء الكنيست إلى 150 نائبا أو 180 نائبا، يحتاج إلى استعدادات لوجستية ليست قليلة تتعلق حتى بمبنى البرلمان، ومن ثم تعديل سلسلة كبيرة من القوانين التي ترتكز على عدد مقاعد الكنيست الـ 120، والأهم من هذا، هو زيادة ميزانية ضخمة للكنيست، وهو أمر ليس من السهل تمريره في الأجواء الحالية في الشارع والمؤسسة الحاكمة.
      ومن حيث الانتقال إلى الانتخابات الإقليمية، ولو لنصف المقاعد، فإن هذا سيواجه معارضة من الكتل القطاعية، مثل المتدينين والأحزاب السياسية الصغيرة، وحتى صاحب الاقتراح، ليبرمان سيكون متضررا، لكونه يعتمد على أصوات المهاجرين الجدد، الذين لا يشكلون أغلبية في التجمعات السكانية.
      أما بالنسبة لرفع نسبة الحسم، فإن الأمر يبقى واردا، فنسبة الحسم اليوم 2%، ولكن لا يمكن رفعها إلى 5%، كما يطالب ليبرمان وغيره، لأن الأحزاب الصغيرة ستعترض، وقد تبادر إلى أزمة ائتلافية، ولهذا، فإن السيناريو الأكثر واقعية، من حيث احتمالات التطبيق وفق الظروف القائمة حاليا، هو رفع نسبة الحسم إلى 2,5% أو 3%، ولكن هذه النسبة لن تغير الحال، وكما ذكر هنا، فإن المتضرر الأبرز من هذه النسبة كما في كل المقترحات الأخرى، هم المواطنون العرب، المستهدفون أساسا من هذه المقترحات، ولكن تضررهم لن يحرّض قوى سياسية برلمانية على معارضة المقترحات.
      ولا يعني استعراض الأضرار من تغيير النظام الانتخابي من وجهة نظر إسرائيلية، استحالة الإقدام على تغييرات كهذه، فلربما سيجد المبادرون أغلبية برلمانية لهذا التغيير أو ذاك، ولكن هذا سيفجر أزمات سياسية واجتماعية في داخل الشارع الإسرائيلي، من الصعب وضع سيناريوهات لها، طالما ان الحديث حتى الآن، عن فرضيات لتغيير نظام الانتخابات.

      • المرحلة المقبلة

      يطمح قادة المؤسسة الإسرائيلية إلى رؤية برلمان أكثر استقرارا مستقبلا، ولكن هذه "الأمنية" تصطدم بطبيعة تركيبة المجتمع الإسرائيلي، والصراعات الداخلية التي يشهدها، على مستويات مختلفة، منها قراءة مستقبل الصراع، والصراع الديني العلماني، وطابع المجتمع الإسرائيلي لاحقا، كما يقول البحث السابق ذكره، الذي نفهم منه أن الأغلبية المتدينة المطلقة بين اليهود وحدهم، قد تتحقق في غضون سنوات قليلة جدا، وحتى العام 2020، كي يتحولوا في العام 2030 إلى أغلبية من بين مجمل السكان، ليكونوا حوالي ثلثي اليهود في إسرائيل.
      وهذه صراعات وأزمات ماثلة للعيان، ولكن يتم تأجيلها ودحرجتها للمستقبل، إلا أنها لا بد وأن تتفجر بأشكال مختلفة، وعملية الدحرجة هذه، تتم من خلال عدة مسارات من أبرزها:

      1- تأجيج سياسة الترهيب من "الآخر" و"العدو الذي يتربص" و"الكيان في خطر"، و"العدو يعيش بيننا- المواطنون العرب"، وبضمن هذا رفض حل الصراع، لضمان التمدد الجغرافي، والسيطرة على موارد المناطق المحتلة، وغيرها من الدوافع الأيديولوجية، ويندرج في هذا الإطار، الحفاظ على مستوى توتر إقليمي، ترفع وتخفض المؤسستان العسكرية والسياسية لهيبه، ليصل من حين إلى آخر، إلى حد شن الحروب، والهجمات والعمليات العسكرية.
      2- دفق موارد أكبر للمجتمع اليهودي، واستثناء العرب، وهذا ينعكس في سلسلة لا تتوقف من القوانين العنصرية التي تمنح أفضليات متعددة لليهود، تحت تسميات مختلفة، وأبرزها "الخدمة في الجيش والخدمة المدنية"، ولربما هنا أن تقارير مؤسسة الضمان الاجتماعي الرسمية (مؤسسة التأمين الوطني) حول الفقر، والتي تصدر كل نصف سنة، تثبت فعل هذه القوانين وهذه السياسة، فالفقر بين المواطنين العرب يتلاءم مع النسب في الدول الفقيرة، بينما الفقر بين اليهود اقرب لمعدلات الدول الأوروبية المتطورة، والأمر ذاته يسري على الصحة ومعدل الأعمار والتعليم ومجالات المشاركة في سوق العمل والسكن وغيره.
      3- تغيير النظام الانتخابي، وأولا وقبل كل شيء، بشكل يضمن تقليص تمثيل المواطنين العرب وإخراجهم خارج دوائر التأثير والهيئة التشريعية، خاصة وان عدد مقاعدهم في الدورات الأخيرة ارتفع إلى 10 مقاعد و11 مقعدا، وهذا أحد أسباب أزمة عدم استقرار الحكومات، أمام حقيقة أنهم خارج حسابات أية تركيبة حكومية، وهذا إرادة مزدوجة من الطرفين، إذ أن وجود هذه القوة البرلمانية بيد الكتل الناشطة بين الفلسطينيين في إسرائيل، يقلص فرص تشكيل الائتلاف الحكومي، بعد كل واحدة من الانتخابات البرلمانية، وكلما زاد عدد مقاعد هذه الكتل، زاد هذا الجانب من أزمة الائتلاف الحاكم.

      تسعى إسرائيل لدى قراءة مستقبلها إلى إيجاد مخارج لسلسلة من الأزمات التي تعيشها اليوم، وإسرائيل لا تطمح فقط لوضع مخططات لمواطنيها الحاليين، وبالذات اليهود، بل لتكون قادرة أكثر على استيعاب موجات هجرة يهودية من العالم، رغم أزمة الهجرة القائمة، والتي لا تجد لها إسرائيل والوكالة الصهيونية أي حل في الظروف الراهنة، واستيعاب كهذا يحتاج إلى استعدادات بنيوية أضخم، في الوقت الذي تعجز فيه المؤسسة في إقناع غالبية اليهود في الانتشار الجغرافي في الشمال والجنوب، في الوقت الذي يشهد مركز البلاد تفجرا سكانيا، وحالة الاختناق تتزايد وتحتد رغم كل المحفزات الحكومية للجمهور لينتقل للسكن في مناطق أخرى.
      إن حالة التشتت والتشرذم في الحلبة البرلمانية الإسرائيلية هي انعكاس لسلسلة الأزمات الإسرائيلية وعدم تجانس مجتمعها في الكثير من النواحي، ولهذا فإنه من الصعب رؤية نهاية حالة التشتت هذه، في المستقبل المنظور، وكل محاولة مصطنعة لإنهائها ستبوء بالفشل، وستفجر أزمات أخرى.

       

       

      • وثائق وتقارير معتمدة:

      1- نتائج الانتخابات البرلمانية من العام 1949 إلى العام 2009.
      2- تقارير أعداد السكان السنوية الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية.
      3- التقارير السنوية لـ "معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي" التابع للوكالة اليهودية، من العام 2006 إلى العام 2010.
      4- تقرير الفقر الإسرائيلي الرسمي للعام 2010 الصادر في نهاية العام 2011.
      5- وقائع وأحداث.

       

      *(فصلية "قضايا إسرائيلية"- الحلقات 1-4 نشرت هذا الاسبوع)

      قد يهمّكم أيضا..
      featured

      رَحيلُ الاصدقاء

      featured

      حكايات من يوم الارض الخالد

      featured

      تفكيك السلطة، وتنصيب دحلان

      featured

      انخطاف، يوم مات جورج

      featured

      أطباء مستشفى بلينسون، كيف تنامون الليل؟

      featured

      تشتت الخارطة السياسية الإسرائيلية عوامل وتأثيرات(4-5)

      featured

      هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم

      featured

      خاطرة في العتمة تعرف نجومك