تشتت الخارطة السياسية الإسرائيلية عوامل وتأثيرات(4-5)

single

سقوط شارون في غيبوبة عرقل مخطط نشوء "كديما"

 

  • *السعي إلى تغيير النظام الانتخابي ونتائجه*



1- الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة


أضاءت ملابسات تشكيل حكومة يتسحاق رابين بعد انتخابات العام 1992، الضوء الأحمر أمام النظام الإسرائيلي، إن كان في الاعتماد على مقاعد الكتلتين اللتين مثلتا أصوات العرب، أو حجم الابتزاز الذي مارسته الكتلتان الدينيتان الأصوليتان لليهود الشرقيين، "شاس" ولليهود الأشكناز "يهدوت هتوراة"، باعتبار أن هذا يسجل ذروة من حيث الكتل الدينية، لنهجها الذي برز في سنوات الثمانين بشكل خاص.
وكان من أهداف تغيير النظام الانتخابي التخلص من الأحزاب الصغيرة والعودة إلى كتل برلمانية كبيرة، وضمان أغلبية صهيونية مطلقة ليست مرهونة لأي طرف خارج الحركة الصهيونية، وهنا بطبيعة الحال العرب، وعدم العودة إلى ما جرى في العام 1992، ولكن ما لا يتم البوح به، هو التحرر أيضا من ضغط الحريديم، ولكن هذا المسعى ضد الحريديم محكوم بالفشل طالما بقيت إسرائيل على الخارطة.
أضف إلى هذا، فإن كل الأفكار التي طرحت لتغيير النظام الانتخابي، كان في صلبها أيضا، وبشكل غير معلن، تقليص دائرة القرار، وضرب وزن المؤسسة التشريعية في القرارات الاستراتيجية العليا، وهذا على المستويين السياسي والاقتصادي، ولاحقا سنرى أيضا السعي إلى ضرب الجهاز القضائي، كي لا يقف عائقا أمام دائرة القرار المقلصة المرجوة.
وعلى الرغم من أن حزب "العمل" كان المستفيد بتشكيله الحكومة، إلا أن أقطابه وشخصياته البارزة، وضعت ثقلها من أجل تغيير طريقة النظام الانتخابي، على أساس أوهام أن هذا سيحرر أي رئيس حكومة وحزب حاكم من "حالة الابتزاز".
ووضعت خلال السنين الماضية سلسلة من المقترحات، ومن أكثرها شيوعا كان رفع نسبة الحسم، أو الاتجاه نحو نظام رئاسي جمهوري، أو إتباع نظام التصويت لأقاليم جغرافية إضافة إلى الطريقة النسبية العامة، وهذه أفكار ما تزال مطروحة حتى اليوم، وهناك من يوصي بها، إضافة إلى زيادة عدد مقاعد الكنيست، من 120 مقعدا اليوم إلى 150 مقعدا وحتى 180 مقعدا، ولكن كل هذه الأفكار، ما عدا رفع عدد المقاعد، تصطدم مع طبيعة وتركيبة المجتمع اليهودي، لأن هذا سيضرب تمثيل عدة قطاعات، مثل المهاجرين الجدد، واليهود المتدينين، وخاصة الأصوليين، إضافة إلى ضرب مجموعات سياسية صغيرة، مثل تلك التي تمثل "اليسار الصهيوني"، وهذه قضايا حساسة بالنسبة للرأي العام اليهودي في إسرائيل.
وبطبيعة الحال، فإننا لم نذكر هنا أن أبرز المتضررين من رفع نسبة الحسم والتصويت لأقاليم جغرافية، هم المواطنون العرب، ولكن هؤلاء لا يدخلون في حسابات قلق الرأي العام الإسرائيلي، لا بل، وإن ثبت أنهم وحدهم المتضررون من نظام انتخابي كهذا، لكنا قد رأينا هذه المقترحات مطبّقة على أرض الواقع منذ سنين.
ومن هنا جاءت الفكرة الوسطية، بين نظام برلماني ونظام جمهوري، بأن يتم انتخاب رئيس الحكومة بشكل مباشر، اعتقادا بأن رئيس الحكومة سيكون أمرا واقعا أمام اي من الأحزاب، وما عليها إلا أن تنضم إلى الحكومة.
وقد تم إقرار هذا القانون في الدورة البرلمانية الـ 13، أي إبان حكومة رابين، وتم تطبيقه لأول مرّة في الانتخابات الـ 14، في 29 أيار/ مايو 1996، وقد كان هذا القانون يشمل بنودا إضافية ذات أهمية، ومنها أن أي حكومة لا يمكنها أن تسقط إلا بأغلبية تفوق 60 نائبا، بمعنى أن أي أغلبية تتحقق في التصويت في الهيئة العامة للكنيست لإسقاط الحكومة، وتكون دون 60 صوتا من بين الحاضرين، فهي أغلبية لاغية، وقد حصل مرارا منذ العام 1996 وحتى العام 2000، أن صوتت غالبية كهذه تأييدا لإسقاط الحكومة، إلا أن الحكومة استمرت في عملها.


2-  نتائج "مدمرّة" للحزبين الكبيرين وبدء حالة التشتت

لقد ثبت فشل النظام الانتخابي الجديد في تحقيق أهدافه، حتى في أوج الحملة الانتخابية للكنيست الـ 14 في 29 أيار 1996، فحالة "الابتزاز" التي كانت تشهدها أروقة الكنيست، قبيل تشكيل الحكومة الجديدة، انتقلت بقوة مضاعفة وأكثر، إلى الشارع الانتخابي، إذ شرعت الأحزاب الصغيرة تفاوض الحزبين الكبيرين، لتأييد مرشحيهما لرئاسة الحكومة، وهنا كان على الحزبين الكبيرين أن يقايضا الأحزاب الصغيرة، إذ مقابل الحصول على دعم الأحزاب الصغيرة لمرشح رئاسة الحكومة، إن كان لحزب "العمل"، شمعون بيرس، أو لحزب الليكود بنيامين نتنياهو، كان الحزبان الكبيران يوجهان مقاولي الأصوات لديهما لدب أصوات للأحزاب الصغيرة.
فجاءت نتائج تلك الانتخابات "مدمّرة" للحزبين الكبيرين، فحزب "العمل" الذي كان يحتل 44 مقعدا في انتخابات العام 1992، هبط مرّة واحدة إلى 34 مقعدا، وخسر رئاسة الحكومة بفارق أقل من 30 ألف صوت، في حين أن حزب "الليكود" الذي كان يحتل في الدورة المنتهية 32 مقعدا، خاض انتخابات 1996 بعد دمج حزب "تسومت"، الذي كان له في الدورة المنتهية 8 مقاعد، بمعنى سوية 42 مقعدا، وحصلا معا على 32 مقعدا.
وفي المقابل رأينا الأحزاب الصغيرة تكبر بنسبة هائلة، وتعزز ظهور الأحزاب لمرة واحدة، فرأينا حزب "شاس" الأصولي لليهود الشرقيين يقفز من 6 مقاعد إلى 10 مقاعد، وحزب "المفدال" الديني الصهيوني من 6 مقاعد إلى 9 مقاعد، ونجح المهاجرون الجدد في تشكيل حزب في غضون فترة قصيرة ليحققوا من أول مرّة 7 مقاعد برئاسة اليميني نتان شيرانسكي.
ولم يكن الشارع العربي خارج توزيعة "غنائم" الحزبين الكبيرين، وارتفع تمثيله من 5 مقاعد إلى 9 مقاعد، فقد تحالفت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الناشئ حديثا، وحصلت قائمة "الجبهة والتجمع" على خمسة مقاعد وكان عدد الأصوات أكثر من ضعف أصوات العام 1992.
كذلك فإن الحزب الديمقراطي العربي، السابق ذكره هنا، تحالف مع الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية، التي شهدت في تلك الفترة انشقاقا، واختار هذا الجناح خوض الانتخابات، وحصلت الحركة الإسلامية على رئاسة القائمة الجديدة، وحصلت القائمة على أربعة مقاعد، وهي أيضا حصلت على أكثر من ضعف أصواتها.
ووصل الحزبان الأكبران إلى الجلسة الأولى للدورة البرلمانية الجديدة منهكين، وإن اعتقد رئيس الحكومة الجديد بنيامين نتنياهو أن انتخابه ضمن له الاستقرار وسهولة تشكيل الحكومة، فقد اصطدم فورا بواقع لم يكن يتمناه، فما كان في الماضي استمر، ووقع مجددا أمام "ابتزاز" أشد للأحزاب الصغيرة، لكونها لم تعد "صغيرة" بل باتت وسطية، فلماذا لا تأخذ حصة أكبر من المقاعد الوزارية ومن الوزارات الأكبر.
وبالفعل فقد رأينا حكومة ضعيفة تعصف بها القلاقل، وكانت تلك الولاية البرلمانية أقصر عمر ولاية برلمانية منذ العام 1961، واستمرت أقل من 3 سنوات، ولاحقا رأينا أن عمر هذه الولاية تحول إلى معدل لعمر الدورات البرلمانية بعد العام 2000.
وتكرر ما جرى في انتخابات 1996 وبشكل أشد في الانتخابات الـ 15، التي جرت يوم 17 ايار من العام 1999، إذ أن الحزبين الأكبرين تلقيا ضربة قاصمة من حيث عدد الأصوات والمقاعد، ففي حين حصلا معا في انتخابات 1996 نسبة 53,3% من الأصوات الصحيحة فقد حصلا في انتخابات 1999 معا 34,4% من الأصوات، وحينما كان لهما معا في الدورة الرابعة عشر 66 مقعدا من أصل 120 مقعدا، فقد حصلا في انتخابات 1999 على 45 مقعدا، 26 مقعدا لحزب "العمل" الذي عاد إلى الحكم مع إيهود باراك، و19 مقعدا لبنيامين نتنياهو، الذي خسر رئاسة الحكومة.
وكانت هذه الانتخابات دليلا أكبر على حالة التشتت، التي لم تفرزها فقط طريقة الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، بل أيضا التقلبات السياسية والأمنية العاصفة، في أوج المفاوضات والاتفاقيات مع الجانب الفلسطيني والدول العربية.
ورأينا أن انتخابات العام 1999 أوصلت إلى الكنيست 15 كتلة نيابية، مقارنة مع 11 كتلة في انتخابات العام 1996 و10 كتل في انتخابات العام 1992، فصحيح أنها ليست المرّة الأولى التي تصل فيها 15 كتلة نيابية للكنيست بعد الانتخابات مباشرة، إذ كان هذا الحال في عامي 1984 و1988، ولكن في حين أنه في العام 1984 كانت حصة 13 كتلة مجتمعة 35 مقعدا مقابل 85 مقعدا للحزبين الكبيرين، وارتفعت في العام 1988 إلى 41 مقعدا، ففي انتخابات 1999 حصلت 13 كتلة نيابية على 75 مقعدا، مقابل 45 مقعدا للحزبين الكبيرين.
وأفرزت نتائج تلك الانتخابات عددا من الكتل ذات الحجم الوسط، فحزب "شاس" الأصولي قفز بشكل مصطنع من 10 مقاعد إلى 17 مقعدا، وظهر حزب جديد لمرّة واحدة، وهذه ظاهرة تكررت في سنوات التسعين والألفين، وكان حزب المركز، بحصوله من أول مرة على 6 مقاعد، وكذا حزب "شينوي" العلماني، المنشق عن حركة ميرتس، بحصوله على 6 مقاعد، ورفعها في انتخابات 2003 إلى 15 مقعدا ليتلاشى بضربة واحدة في انتخابات 2006.
وليس صدفة أن تكون مهمة تشكيل الحكومة بصعوبة أكثر من اي وقت مضى، فالحزب الأكبر الحاكم، هو حزب أقلية في الائتلاف، وهذا ما كثف حالة القلاقل الائتلافية إذ لم يكن يمر شهر أو شهران من دون أحداث تهدد بقاء الحكومة، حتى بات المشهد فوضويا بشكل غير مسبوق، وكان عمر حكومة باراك أقل من 18 شهرا.
وسقط باراك في أول انتخابات مباشرة لرئاسة الحكومة، تجري بشكل مستقل عن الانتخابات البرلمانية يوم الثامن من شباط العام 2001، وهي الانتخابات التي أتت بأريئيل شارون إلى الحكم، وكانت آخر انتخابات مباشرة لرئاسة الحكومة، إذ أن الدورة البرلمانية التي انتهت في نهاية العام 2002، وتمهيدا للانتخابات في نهاية الشهر الأول من العام 2003، وضعت النهاية لهذا النظام الانتخابي.
لقد عزز الانتخاب المباشر لرئاسة الحكومة التصويت القطاعي في الشارع، بمعنى ان الناخب، في حين اختار رئيس حكومة، ذهب مباشرة إلى القائمة الصغيرة التي تمثل تطلعاته وطموحاته، الشخصية والمجتمعية، وعكست كثرة التنوعات في الكتل الناشئة، أو تلك التي ضاعفت تمثيلها البرلماني، حالة عدم تماسك المجتمع الإسرائيلي بعد 50  و60 عاما على قيام إسرائيل، وإن كان هذا بارزا لدى المهاجرين الجدد، فإن اليهود الشرقيين، على سبيل المثال، اتجهوا هم أيضا إلى القوائم الانتخابية الأقرب لهم من ناحية طائفية، وكذا بالنسبة للمتدينين.
كذلك، برزت في هذا النظام الانتخابي ظاهرة مقاولي الأصوات، وهي ظاهرة محسوبة على مجتمعات الدول النامية والفقيرة، ولكنها حاضرة بقوة أيضا في الشارع الإسرائيلي، وبشكل خاص بين الشرائح الفقيرة والضعيفة اقتصاديا واجتماعيا.

  • عوامل جديدة نشأت في سنوات الألفين

بعد العام 2000 نشأت عوامل عديدة، كان لها بالغ الأثر على نتائج الانتخابات، التي جرت في العقد الأول من الألفية الثالثة.
إذ رأينا في نتائج الانتخابات الثلاث في الأعوام 2003 و2006 و2009، أن انعكاسات الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، من حيث خلق شريحة أحزاب وسطية من ناحية حجمها البرلماني قد بقيت واستمرت، فصحيح أن حزب الليكود في انتخابات العام 2003 نجح في تجميع قوة برلمانية كبيرة مقارنة مع الانتخابات السابقة، بحصوله على 38 مقعدا، مقابل 19 مقعدا لحزب "العمل" الذي تلقى ضربة قاصمة في تلك الانتخابات، إلا أن كليهما لم يصلا إلى 50% من مقاعد الكنيست.
وظهرت في تلك الانتخابات قوة برلمانية قاربت قوتها، قوة حزب "العمل"، وهي كتلة "شينوي" العلمانية، التي تضخمت قوتها من 6 مقاعد في الانتخابات السابقة إلى 15 مقعدا، وكما يبدو فإنها امتصت قسما من قوة حزب "العمل" المتهاوي، إذ اعتمدت كتلة "شينوي" خطا علمانيا متشددا ضد الأحزاب الأصولية.
وكانت الدورة البرلمانية الـ 16 التي استمرت حتى نهاية العام 2005، دورة محورية في تاريخ الكنيست، وهي تعتبر الثانية التي تتغير فيها معالم الخارطة السياسية الإسرائيلية في العقدين الأخيرين، بعد الدورة الـ 13 التي انتهت في مطلع العام 1996.
ففي هذه الدورة سعى رئيس الحكومة أريئيل شارون إلى استكمال المهمة التي بدأها رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، وهي نفض أجندة المفاوضات والعملية التفاوضية، فشارون لم يخض هذه العملية إطلاقا، وأجج وصعد العدوان، منذ شتاء العام 2001 وحتى نهاية العام 2004، في فترة رحيل الرئيس ياسر عرفات.
ففي حين أن باراك سرّع العملية التفاوضية نحو نقطة الصدام المخططة، إن كان على المسار السوري في أيار 2000، أو على المسار الفلسطيني في صيف العام ذاته، فإن شارون سارع إلى تغيير خارطة المواجهة، من خلال تفكيك مستوطنات قطاع غزة من جانب واحد، ضمن مخطط أشمل، كان شارون يخطط لتنفيذه أيضا في الضفة الغربية، إلا أن سقوطه في غيبوبة دائمة منذ الرابع من كانون الثاني/ يناير وحتى الآن، لم يكمل مشروعه.
وكانت خطوة تفكيك المستوطنات التي أصر عليها شارون، سببا هاما لإحداث شرخ طولي في حزب الليكود، وبادر شارون في شهر تشرين الثاني من العام 2005 إلى الانشقاق عن الحزب الذي يرأسه، مشكلا حزب "كديما" الذي ارتكز على حوالي نصف كتلة الليكود، وعلى شخصيات من حزب "العمل" وأيضا من أحزاب أخرى.
وفي ما يلي أبرز العوامل الجديدة التي ظهرت في سنوات الألفين وساهمت هي أيضا في حالة الخارطة السياسية بشكل عام.

1- انهيار نسبة التصويت

من الواضح أن الانتخابات الـ 16 التي جرت في مطلع العام 2003، وبعد إلغاء نظام الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، جرت في أوج أوضاع أمنية وسياسية عاصفة، في أوج الانتفاضة الثانية، ولن ندخل في هذا المجال، كي نتركز أكثر في التطورات البرلمانية.
ففي انتخابات رئيس الحكومة الأخيرة التي جرت في الثامن من شهر شباط/ فبراير العام 2001، كان انهيار حاد في نسبة التصويت، من 78% في الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 1999، إلى 62%. وجرى الاعتقاد في حينه، أن هذا الهبوط الحاد، نابع بشكل خاص من الهبوط الحاد في التصويت بين العرب، وحسب التقديرات فإنه حوالي 35% من العرب أدلوا بأصواتهم، ولكن انخفاض نسبة التصويت بين العرب ساهم في 7% من أصل نسبة 16%، التي هبطت بها نسبة التصويت، ما يعني أن الهبوط حصل، ولو بدرجة أقل، أيضا في الشارع اليهودي.
إلا أن هذا الهبوط العام في نسبة التصويت استمر في الانتخابات البرلمانية العامة في العام 2003، إذ كانت نسبة التصويت 68%، وبين العرب قرابة 64% وبين اليهود في حدود 69%، وفي العام 2006، هبطت نسبة التصويت العامة إلى حوالي 62%، وكانت بين العرب قرابة 57%، وفي العام 2009 كانت نسبة التصويت في حدود 64% وبين العرب حوالي 54%.
ولو اطلعنا إلى قائمة النتائج النهائية التي أصدرتها لجنة الانتخابات المركزية، وأمعنا في التفاصيل الدقيقة لنسب التصويت، لوجدنا أن التراجع الحاد في نسبة التصويت كان في معاقل "اليسار الصهيوني"، وفق التعريف الإسرائيلي لهذا اليسار، وأكبر مثال كان معدل نسبة التصويت في مدينة تل أبيب إذ كان ما بين 55% إلى 56% ونستطيع قراءة أن نسب التصويت في الأحياء الجنوبية، التي تعرف بأحياء الفقر، أعلى من نسب التصويت في شمال تل أبيب.
وفي المقابل فإن نسب التصويت في معاقل اليمين المتشدد كانت مرتفعة جدا نسبيا، فمثلا في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة تراوحت نسب التصويت ما بين 73% إلى 82% وأكثر في بعض المستوطنات، في حين أن نسبة التصويت العامة كانت في حدود 64%.
وهذا عكس حالة الإحباط السياسي لدى قطاعات واسعة من مصوتي الوسط واليسار الصهيوني، بسبب غياب قيادة حقيقية لهذا الجمهور، قادرة على طرح البديل السياسي أمام اليمين، إذ أن هذه القيادة أظهرت تواطؤا واضحا مع اليمين وشاركت في تدمير العملية التفاوضية، وهذا الإحباط والإحجام عن التصويت عزز قوة اليمين واليمين المتشدد برلمانيا، ومنحه الأغلبية المطلقة في الانتخابات الـ 18 التي جرت في العاشر من شباط/ فبراير العام 2009.


2- غياب "الشخصيات التاريخية"

لم يسر مخطط نشوء "كديما" بالشكل المطلوب، فسقوط أريئيل شارون في غيبوبة في الرابع من كانون الثاني 2006، في أوج الاستعدادات للانتخابات البرلمانية التي جرت بعد أقل من ثلاثة أشهر، في 28 آذار، كان بمثابة غياب آخر "الشخصيات التاريخية" الإسرائيلية عن رأس الهرم، وهذا بعد أن كان قبل نصف سنة من ذلك التاريخ، قد هُزم الرجل القديم في حزب "العمل" وعجوز الكنيست والسياسة الإسرائيلية ككل، شمعون بيرس، في الانتخابات الداخلية لرئاسة حزب "العمل".
وكانت انتخابات العام 2006، الأولى، التي يغيب عنها بشكل شبه كلي الجيل المؤسس لإسرائيل، فمشاركة بيرس في تلك الانتخابات كانت هامشية، وفقط من اجل تعزيز لائحة "كديما"، ولم يكن بيرس شخصية مركزية لا في الانتخابات ولا في الوظائف الحكومية، إلى أن تم انتخابه في العام 2007 رئيسا لإسرائيل، وبهذا خرج أقدم عضو كنيست كليا في الساحة البرلمانية.
وساهم هذا الغياب في غياب النجومية السياسية التي عرفناها على مدى سنوات، ومن يتابع استطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة، لا يجد شخصية سياسية تحظى بالمكانة التي كان يحظى بها ساسة إسرائيل الأوائل.
وأثبتت مجريات السنوات اللاحقة، أن إسرائيل كانت في العام 2006، تحت قيادة "زعماء الصُدفة"، إيهود أولمرت في حزب "كديما" وعمير بيرتس في حزب "العمل"، وما زاد الطين بلة من ناحيتهما، هو أن وسائل الإعلام الكبرى، المملوكة أصلا من كبار أصحاب راس المال، لم تتعامل معهما بالود، وهذا ما ساهم في شبه القضاء على شعبيتهما.
وهذا المشهد ساهم بشكل كبير في نتائج انتخابات العام 2006، التي أظهرت حالة تفتت أكبر، وكثرة الأحزاب الوسطية من حيث الحجم، وكانت الكتلة الأكبر لحزب "كديما" من 29 مقعدا، وتلاه حزب "العمل" بحصوله على 19 مقعدا، ثم "شاس" الأصولي على 12 مقعدا، ومثله حزب "الليكود" ثم "يسرائيل بيتينو" على 11 مقعدا، وتكتل أحزاب المستوطنين على 9 مقاعد، وهنا أيضا ظهرت كتلة لمرّة واحدة، وهي كتلة "المتقاعدين" التي حصلت على سبعة مقاعد، لتختفي كليا في الانتخابات اللاحقة في العام 2009، وحصلت كتلة الأصوليين الأشكناز "يهدوت هتوراة" على 6 مقاعد، و5 مقاعد كانت من نصيب "ميرتس"، فيما حصلت الكتل الثلاث الناشطة في الشارع العربي على 10 مقاعد مجتمعة.
بمعنى أن حتى مجموع مقاعد أكبر ثلاث كتل، لم يتخط 60 مقعدا من اصل 120 مقعدا، وهذا يعكس لاحقا مدى صعوبة تشكيل حكومة ثابتة ومستقرة، ورغم ذلك، فإنها بقيت في الحكم 33 شهرا، وسقطت بفعل ملفات الفساد التي أطاحت برئيس الحكومة إيهود أولمرت، وهناك من يتمسك بنظرية المؤامرة، بأن جهات ما أطاحت بأولمرت،  بسبب تقدمه في المفاوضات مع القيادة الفلسطينية، ولكن هناك من يرى أنه فشل في "تأمين البضاعة" التي طُلبت منه، على المستوى الاقتصادي.


3- تضخم جمهور المستوطنين

لربما أن من أبرز العوامل التي أثرت على نتائج الانتخابات في سنوات الألفين، مع مؤشر ابعد للمستقبل، هو تضخم جمهور المستوطنين، الذي يتزايد سنويا بنسبة تفوق ثلاثة أضعاف نسبة التكاثر الطبيعي في إسرائيل، ويجري الحديث عن تزايد يتراوح سنويا ما بين 5,4% إلى 5,7%، ومن بينها 2,4% "تكاثر طبيعي"، والآخر زحف من الجمهور اليهودي في داخل إسرائيل إلى مستوطنات الضفة الغربية والقدس المحتلة، وبشكل أقل بكثير نحو هضبة الجولان المحتلة، ولكن عامل التأثير يتركز أكثر في الضفة والقدس.
حتى خريف العام 1993، أي في أيام اتفاقيات أوسلو الأولى، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، أقل من 85 ألفا، يضاف لهم نحو ستة آلاف في قطاع غزة، الذين انتقلت غالبيتهم الساحقة في العام 2005 إلى مستوطنات الضفة، يضاف لهم حوالي 30 ألف مستوطن في الأحياء والبؤر الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة.
وبموازاة المفاوضات، كان تسارع في الاستيطان بوتيرة لم نشهدها في سنوات الاحتلال الـ 25 الأولى، بمعنى منذ العام 1967 وحتى العام 1993، وشهدنا موجات تدفق استيطاني ضخمة، واليوم يجري الحديث عن حوالي 530 ألفا إلى 540 ألف مستوطن، حسب التقديرات في خريف العام 2011، من بينهم 315 ألف مستوطن في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، وحوالي 220 ألفا في الأحياء والبؤر الاستيطانية في القدس المحتلة.
بمعنى أنه خلال 18 عاما، وفي الوقت الذي ازداد فيه عدد سكان إسرائيل بنسبة 46%، فإن عدد المستوطنين ارتفع بعشرة أضعاف تلك النسبة، اي بنسبة 450%.
و"ميزة" هذا الجمهور ليس فقط انه يميني متشدد بغالبيته الساحقة، وإنما أيضا ان يتجمع في بقعة جغرافية محددة، ما حوّله إلى مركز وتجمهر سياسي، تنشط فيه مجموعات سياسية يمينية متشددة ومتطرفة، ومنها ما يصل إلى درجة الإرهاب، مثل حركة "كاخ" السابقة، وما تفرّع عنها لاحقا، وهذا النشاط المكثف، محفز لسائر جمهور المستوطنين، ليكون فعالا سياسيا، وهذا ما رأيناه من نسب التصويت التي واصلت تكون عالية جدا، مقابل هبوطها في معاقل سياسية وأماكن جغرافية أخرى داخل إسرائيل.
وهذا المشهد الناشئ، والذي يبرز أكثر فأكثر مع تقدم السنين، تحول إلى وزن أساسي لدى سائر أحزاب معسكر اليمين، بمعنى ليس فقط الأحزاب التي تمثل جمهور المستوطنين مباشرة، بل الأحزاب اليمينية، ومعها الدينية الأخرى، إن كانت ليبرالية دينيا، أو أصولية، والأهم أنه بات وزنا أساسيا وكبيرا في حسابات حزب الليكود، ليس فقط من أحل مسايرة حلفائه التقليديين، بل من أجل أن يأخذ حصته من مخزون الأصوات الضخم والمتنامي هناك.
ويعي المستوطنون وقادتهم حقيقة هذا الوضع الناشئ في إسرائيل، ولهذا فإنهم يستثمرونه بكل القنوات، إن كان من خلال زيادة قوتهم البرلمانية، وتأثيرهم المباشر على الأحزاب ذات العلاقة، أو من خلال التغلغل في مؤسسات الحكم، والاقتراب قدر الإمكان إلى رأس الهرم، وبموازاة ذلك أيضا التغلغل والوصول إلى قمة الهرم في جيش الاحتلال.  

 

 

(بالتنسيق مع فصلية "قضايا إسرائيلية"- الحلقات 1-3 نشرت في الأيام الثلاثة الماضية)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

حسابات "كديما" تبقيه في المعارضة

featured

مصر وشرف القيادة

featured

الشيخ جرّاح لأهله يا محكمة "العدل"!

featured

"ما بيجي إشي من الغرب يسر القلب"

featured

كلمة حق بحق المرحوم يني لاذقاني: الانسان المكافح المناضل

featured

الضربة الأميركية لإيران

featured

لماذا الضربة العسكرية

featured

اوبـامـــا لــن يـعـاقــب بـيـبــي