العلاقات بين الدول منوطة بمصالحها وليس بعلاقات المحبة والكراهية بين زعمائها. ومع كل النفور المتبادل بين الرئيس الأميركي وبين رئيس الحكومة الاسرائيلي، لا حاجة لأن نتوقع (او نأمل) بأن "يعاقب" اوباما بنيامين نتنياهو بسبب تدخله في الانتخابات الرئاسة وتأييده للمرشح الخصم ميت رومني. فكرة الثواب والعقاب في السياسة تبدو مغرية، ولكنها تبسيطية. الحياة الحقيقية أكثر تعقيدا بكثير.
لنفترض ان نتنياهو كان يتبنى مواقف معاكسة، وبدلا من أن يمنح رومني زيارة رسمية الى القدس دعا في كل يوم الأميركيين "صوتوا لاوباما، أربع سنوات اخرى". فهل غدا كان سيحصل بالمقابل على قصف أميركي في ايران؟ تومهوك صغيرة ما على منشأة نووية في نتناز أو في بوردو؟ أم مجرد اعلان بأن السياسة الخارجية الأميركية ستعتمد من الآن وصاعدا على برنامج "الليكود"؟
واضح للجميع أن هذه السيناريوهات كلها سخيفة ومدحوضة. إذاً، لماذا التفكير بأن اوباما سيغير السياسة الخارجية الأميركية فقط كي يتخلص من نتنياهو؟ مؤيدو نهج الثواب والعقاب يؤمنون بأن الفارق يكمن في مواقف الرئيس، الذي كان يسره ان يطير اسرائيل من الضفة الغربية وان يقيم فلسطين المستقلة على خرائب المستوطنات. اذ كان كبح جماح نفسه حتى الآن فقد كان هذا بسبب رغبته في أن ينتخب من جديد وتعلقه بالتبرعات وبالناخبين اليهود. والآن يمكن لاوباما، الذي انتخب لولاية اخرى، ان يتصرف مع اسرائيل دون آثار – واذا واصل نتنياهو توسيع المستوطنات وواصل الادعاء بأن "لا شريك"، فإنه سيصطدم بنهج أميركي أكثر تصلبا.
يحتمل أن اوباما في خفاء قلبه، كان يود ان يتصرف هكذا مع بنيامين نتنياهو. ولكنه ليس مواطنا خاصا، وهذه ليست قضيته الشخصية. فهو يقف على رأس قوة عظمى ولا يحتاج الى اخفاقات دبلوماسية زائدة. والحقيقة هي أن ليس لاوباما صيغة سحرية لفرض سلام اسرائيلي – فلسطيني وانهاء الاحتلال. محاولته التوسط بين نتنياهو ومحمود عباس والفرض على اسرائيل تجميد البناء في المستوطنات تبددت كفقاعة صابون. شيء كبير يجب أن يحصل كي يتحطم الوضع الراهن ويحاول الرئيس مرة اخرى: تحول في الرأي العام الاسرائيلي أو انتفاضة فلسطينية ثالثة.
في ولايته الاولى ظهر اوباما كمثالي بارد المزاج، يضع جانبا الايديولوجيا. وقد عرف أن نتنياهو متين في كرسيه، وليس له خصوم ذوو وزن. وعليه فقد اضطر الى العمل معه، رغم عدم الثقة بينهما. هذا الوضع لا يزال لم يتغير، ونتنياهو يبدو أنه المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء. لهذا السبب مشكوك أن يحاول اوباما المناورة في الساحة المتلوية هنا والتدخل في الحملة. وماذا سيفعل – سيدعو الى البيت الابيض شيلي يحيموفتش ويئير لبيد، ويناشدهما الا يدخلا الى خيمة نتنياهو بعد الانتخابات؟ ان يدعو المواطنين العرب الى الوقوف في الصناديق بجموعهم، كي يضعفوا كتلة اليمين؟
لنتنياهو واوباما توجد ثلاثة مواضيع مهمة تلزمهما بالتنسيق والتفاهم: ايران، مصر وسورية. اوباما سيكرس الاشهر الاولى من ولايته الثانية للمفاوضات مع ايران، في محاولة للوصول الى تفاهم يجمد البرنامج النووي. واسرائيل ستكون مطالبة بالهدوء وعدم الازعاج. اما نتنياهو بالمقابل، فقد عزز التزامه العلني بمنع السلاح النووي عن ايران بل حتى الخروج الى حرب ضد ايران خلافا للموقف الأميركي. يوجد هنا احتمال كامن للمواجهة بين نتنياهو واوباما ولكن ايضا للصراع المشترك.
في الجبهات الاخرى الوضع اكثر تركيبا وحساسية. اوباما ونتنياهو يتحسسان طريقهما في الحوار مع حكم الاخوان المسلمين في مصر. وهنا مصالحهما متماثلة: الحفاظ على اتفاق السلام الاسرائيلي – المصري وضمان الهدوء في سيناء. ليس سهلا.
بالنسبة لسورية توجد فوارق هامشية: نتنياهو يؤيد الهدوء الذي في بقاء بشار الاسد بل ولا يستغل الحرب الاهلية السورية لدعاية "العرب يقتلون العرب والعالم يسكت". اما اوباما فيتحدث ضد الاسد ويفعل القليل. تفاقم الحرب الاهلية في سورية سيجبره قريبا على ان يتخذ موقفا أكثر وضوحا الى جانب أحد الطرفين ما سيجعل من الصعب على نتنياهو مواصلة تجاهل الدراما الاجرامية خلف الحدود.
التصدي لايران، مصر وسورية وخطر الانتفاضة الثالثة في المناطق سيشغل بال نتنياهو واوباما في السنة القريبة القادمة ولن يترك لهما زمنا كثيرا للنزاع بينهما. أما مظاهر الغضب من حملة الانتخابات فيتعين عليها أن تبقى للمذكرات.
*رئيس تحرير "هآرتس"
