شارع الأقواس المحتل

single

ما حدث في أم الفحم يوم الثلاثاء، الرابع والعشرين من آذار الجاري، لم يكن مجرد استفزاز من قبل عناصر اليمين المتطرف، التي عملت أجهزة الأمن الإسرائيلي من اجل تأمين حرية التعبير(!!) لهذه المجموعة الحاقدة. ولم يكن هذا الحشد الهائل من القوات، التي تجاوز تعدادها ألفين وخمسمائة عنصر، من اجل حماية الحق الدمقراطي، إلا إذا اعتبرنا مثلا جنود المارينز في العراق المحتل دعاة دمقراطية، ومبشرين بهذه الدمقراطية التي تحدث عنها حكام واشنطن. فالذي حدث في أم الفحم هو مؤشر خطير، ومقلق لان المجموعة العنصرية المتطرفة ليست إلا اللاعب الأصغر في هذا المسلسل الممتد والمتواصل.
وإذا كان القضاء الإسرائيلي الذي سخر لهذه اللعبة، فان الأجهزة الأمنية كانت لاعبا آخر، أوكلت لها المهمة القذرة حين استخدمت كعصا غليظة ضد المواطنين الآمنين في أم الفحم. ففي اللحظة التي تحولت فيها مظاهرة اليمين الاستفزازية والعدوانية إلى أمر واقع قامت أجهزة الأمن، وبقيادة نائب القائد العام للشرطة، بتنفيذ عملية عسكرية كبيرة في أم الفحم، شوشت الحياة العادية للمواطنين. إذ قامت ومنذ ساعات الليل باحتلال التلال المحيطة بشارع الأقواس المؤدي إلى أم الفحم من جهة مستوطنة مي - عامي. كما قامت بإغلاق شارع البيار عين جرار منذ ساعات الفجر الأولى، وهو عمل عدواني يشبه إلى حد بعيد أجواء الحرب. ولا يمكن ان تكون مثل هذه المشاهد من اجل الحفاظ على حرية التعبير، أو تطبيقا لقرار قضائي، لان حرية التعبير تنتهي في اللحظة التي تصبح هذه الحرية انتهاكا لحرية الآخرين، وعدوانا صارخا وسافرا على حقهم في الوجود. فالمجموعة العنصرية التي جاءت تستعرض عضلاتها على أسنة رماح قوى الأمن ليست دمقراطية في الأساس، وإنما هي مجموعة هستيرية حاقدة راحت تزرع الحقد، وتمارس العنف، وقامت بالدعوة لترحيل أصحاب الأرض الأصليين من وطنهم. جاءت هذه المجموعة وهي تصرخ:"شعب إسرائيل حي"، وفحيح الأفاعي هذا ليس بمقدوره ان يلغي عروبة فلسطين، ولا يمكن ان يلغي حق شعب فلسطين في وطنه حتى لو قام هؤلاء وسواهم بالردح ليل نهار، لان حقنا في وطننا، وعلى أرضنا نمهده بقوة الحق، وليس بحق القوة والبلطجة والعربدة. هذه حقيقة يجب ان يدركها اللاعبون الصغار والكبار في هذه المسرحية، التي أرادوا ان تكون أم الفحم ساحة لها.
وبالرغم من كل هذا الحشد الهائل من القوات، التي زجوا بها لتوفير الحماية لأوباش العنصريين الاستعماريين، فقد رفضتهم أم الفحم الأبية، ولفظتهم لفظ النواة. وتصدى الفحماويون جميعا، وبأجسادهم، حتى لا يدنسوا أرضنا الطاهرة، وكل ما استطاعوه هو إدخالهم بضع مئات من الأمتار داخل شارع الأقواس، "المحتل" من الليل، ومن الجهة الجنوبية الشرقية. فهذا الشارع هو مدخل فرعي لام الفحم ليس إلا، وليس فيه كثافة سكانية، ولا يمكن ان يسمى الاستعراض المسرحي تحت أسنة الرماح اختراقا لام الفحم بأي حال من الأحوال، فالفاشية ظلت بقبحها وخستها بعيدة عنا ولم تمر.
الفاشية وحماتها والمدافعون عنها لم يجدوا امامهم الا ان يجروا ذيولهم وينسحبوا بسرعة امام الطوفان البشري الغاضب، حيث قالت أم الفحم كلمتها مرة أخرى كما قالتها في المرات السابقة.
ولا يخفى علينا ان التوقيت جاء في وقت تزداد فيه شراسة الهجمة على القدس وعلى أبناء القدس وعلى عروبة القدس، من خلال منع النشاطات التي كانت مقررة يوم السبت الماضي مع انطلاق فعاليات "القدس عاصمة الثقافة العربية"، وكذلك من خلال مخطط هدم مئات المنازل العربية في القدس للتضييق على أهلها وتهجيرهم.
نفس المخطط هو ما يدبر لام الفحم ولكنه بأقنعة أخرى، ووسائل أخرى. ونحن إذ نؤكد ان أم الفحم وهي تقف في خط المواجهة الأول إنما تفعل ذلك دفاعا عن جماهيرنا كلها، هذه الجماهير وقفت وبكل قوة معنا، كانت تتابع معركتنا الضارية من اجل الوجود والصمود، وكانت جاهزيتها تعلن بما لا يدع مجالا للشك بان كل من يريد ان ينقل الصراع هنا فنحن لن نكون بأقل حماسة للدفاع عن أنفسنا ووجودنا من قطاعات شعبنا الأخرى، في كافة أماكن التواجد. ولتكن هذه النقطة مفهومة وواضحة، لان شعبنا منزرع في هذا الوطن تحت كل الظروف، ولن تكون معركته خاسرة لأنه يملك قوة الحق، كما أسلفت، وهي قوة أخلاقية هائلة امام سوائب العنصريين الاستعماريين.
ولا بد لي في هذا المقام من الإشارة إلى المئات من اليهود المتضامنين معنا في معركتنا والذين حضروا للوقوف في وجه هذا اليمين الهائج. لقد رحبنا بهم أجمل ترحيب، واحتضناهم بقلوبنا وأفئدتنا، وكم كنا نود ان نرى الآلاف منهم. ومع أهمية الدور الذي قاموا به، وسيقومون به في المستقبل في التصدي للفاشية المنفلتة في إسرائيل، فنحن نطالبهم ان يكونوا شجعانا أكثر. نطالبهم ان يأخذوا زمام المبادرة لنبدأ وإياهم في معركة التصدي المنظم للوحش الهائج، ولهستيريا الفاشية التي هي خطر في الأساس على المجتمع الإسرائيلي قبل ان تكون على العرب.
ونحن نأمل ان لا يتراجع هؤلاء الشرفاء عن أبناء المجتمع اليهودي، وان ينظروا إلى المواطنين العرب كحلفاء حقيقيين لهم في صد هؤلاء المنفلتين من عقالهم، وسيجدوننا القوة الدمقراطية الكبرى في هذه البلاد. واعتقد ان لحظة الامتحان قد حانت، فلا يكفي ان نكون وإياهم في خط الدفاع، وفي حالة ردود الأفعال فقط، لقد حان الوقت ان نشهد جميعا حملة منظمة وجماهيرية واسعة امام الرأي العام الداخلي لمواجهة هؤلاء المجانين ودحرهم، ونسف مخططاتهم التي ستكون كارثية تجر الشر والوبال على الجميع.
وهذه لحظة صدق ينبغي ان يتعامل معها كل الأحرار والشرفاء بما تستحقه وتستدعيه، فلا عذر لأحد ان تقاعس. اما نحن، الجماهير العربية الفلسطينية في الجليل والمثلث والنقب وكل المدن المختلطة، فسنظل كتائب الحرية والدمقراطية والسلام، نمد أيدينا للجميع، لكننا في كل الحالات والظروف سنحسن الدفاع عن أنفسنا والتمسك بأرض الأجداد والأحفاد..!!

 

(ام الفحم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"يوم الأرض" أسطع من تشويهاتكم!

featured

جمال عبد الناصر حضور رغم الغياب: باق في قلوب الملايين

featured

أي رسالة تحمل يا جورج ميتشل؟!

featured

التأتأة والتذبذب والتلكّؤ في المصالحة الفلسطينية خزي وعار

featured

في اغتراب وانكفاء المرأة العربية

featured

دفيئة الشعارات

featured

هذه بصقة اسرائيلية على لِحاكم وليست مطرا من السماء