يبدو أنّ هذا الغريب المدعو "صندوق الاقتراع"أو المعروف بأسم الدلع "النهج الدموقراطي" دخل من الشبّاك الى حياتنا الاجتماعية والسياسية والحزبية وبقي طيلة الوقت بلا تأشيرة دخول وبلا بطاقة هوية وبلا جواز سفر أي بقي مهاجرا متسللا ملاحقا مطاردا أو في أحسن الأحوال مواطنا مؤقتا نقبله بيننا متى نشاء،ونطرده شرّ طردة متى نشاء ايضا،نفعل ذلك بقناعة أو"بفشّة خلق"أوبغضب يعربيّ او تميمي.
الدمقراطية نظام غربيّ وهو نتاج صراع سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ ودينيّ دام عدة قرون قدمت الشعوب الغربية على مذبحه قرابين ثمينة غالية وكثيرة عديدة ولا علاقة له بحضارتنا او تاريخنا أو تراثنا. واذا كان البعض منا يفاخر او يتباهى بالشورى مثلا،فأن المسافة او البعد بين الشورى وبين الدمقراطية يكاد يكون البعد بين نظام البريد الملكي في العصور الوسطى وبين الأيميل في ايامنا. واذا كنا قد أخذنا عن الشعوب الغربية وبرضا تام ، وبلهفة، السيارة والطائرة والادوات الكهربائية والهاتف النقّال والحاسوب والانترنت واشياء اخرى كثيرة لا تحصى ولا تعدّ فأننا بقينا متشككين مترددين في تعاملنا مع "صندوق الاقتراع"،هذا الجزء الهام من"النهج الدمقراطي"الذي نتغنّى به حبا في الاعلام الرسميّ والعلنيّ ونخنقه ونقتله في الممارسة كما تفعل القطة مع جرائها،ويكون تعاملنا معه، في الحالة الحسنة أو الحضارية، مثل تناول المرء للدواء فهو يدرك انه مرّ ولا يستسيغه ولكنه ضروري للحياة.
نخوض الانتخابات لسلطاتنا البلدية او المحلية أو لهيئاتنا الحزبية أو لجمعياتنا الفاعلة او النائمة أو للجان الطلاب او لجان الأباء او لجان العمال والموظفين وغيرها اذا فرضت علينا قانونيا او بضغط جماهيري فنتبارى جميعنا بالتّغنّي بالحسم الدمقراطي وباحترام ارادة الناخب ونصوغ المدائح بالشفافية والنزاهة حتّى يخيّل لبعضنا اننا بين عشية وضحاها اصبحنا أم الدمقراطية وأباها وجدّها وما أن تنتهي العملية الانتخابية وتفرز الأصوات "ويطلع الذي في الدست"حتى ننقسم الى فريقين لدودين:فريق فائز رابح مشغول بفرحه وفوزه وفريق خاسر غاضب عصبي يتصرف بلا عقلانية وبلا قيود ويكيل الاتهامات للعملية الانتخابية التي كانت فاسدة ومغشوشة ومزورة و..و...ويزوّد الفضائيات والاذاعات والصحافة بالاحاديث المثيرة عن الغش والفساد والتلاعب ويعادي الطرف الفائز ويقاطع الذين دعموه وايدوه ويدفع مئات آلاف الدولارات للمحامين الذين يرفعون الدعاوى الفاشلة للقضاء ،ويغرس العداوة والحقد بين الناس.
لا توجد في أية بقعة في العالم او في أية دولة انتخابات بريئة نزيهة مائة بالمائة فهناك دائما وعود وهناك دائما مصالح وهناك اتفاقات بالسر والعلن وجميعنا يعرف اللعبة جيدا ويدخل اليها ويلعبها وعليه ان يرضى بالنتائج مهما كانت.
نحن نعرف أن صندوق الاقتراع لا يرحم احدا ولا يحابي احدا وعلينا ان نتوقع الخسارة والفشل قبل الربح والنجاح فمن اسس الدمقراطية ان يعرف الخاسر التصرف بكرامة واحترام ولكن الكثرين منا لا يعرفون ان يخسروا باحترام وبكرامة بل يحولون خسارتهم الى "بهدلة" والى "فضيحة".
اعرف من تجربتي الشخصية ان الخسارة مرة ومرة جدا والفشل صعب ولكن على اللاعب الدمقراطي ان يتقبل الخسارة والفشل بصدر رحب .
واذا كنت الوم تصرف زعماء عائلات بعد فشلهم الانتخابي واحاول ان اجد مبررا لمثل هذا التصرف فلا استطيع ان افهم تصرف قادة احزاب سياسية وتقدمية، او تصرف مناضلين وثوريين وقادة حركة تحرر وطني احترم الناس تاريخهم طيلة سنوات خلت.
