رام الله الوفية (3)

single

ضريح، حديقة ومتحف محمود درويش

 

 

لم اعرف احمد داوود، وكدت اسأل اين احمد، لكني تمهلت الى ان اكتشفت ان هذا الرجل الممتلئ الجسد ويتجلبب بثياب رسمية ذاك الفتى ناثر المرح وغاوي المشاكسة احمد. بريق عينيه زمن الشباب خفت كثيرا، حماسته وعبثيته كما سيجارته خمدت ريحها بعض الشيء، هل سرقت الرسميات في مكتب الرئيس فرحة الطفولة من عينيه، ام مؤامرات محتكري مؤسسة السلطة من بعض فتح عز عليهم ان يكون مناضل متعلم من الجبهة الشعبية في منصب مرموق. احببت ان التقيه ونحيي  مولدا على ضفاف واحة جلسات المرح والنقد اللاذع والتندر على ماض توجناه في احد ايامه امام مقهى الاكاديمية بهوشه وغوشة مع خليل في المدرسة الحزبية وهو يعد لحفل ذكرى "معركة الكرامة" دون جلوس ممثل منظمة التحرير على المنصة.  يومها ارتكبت حماقة  فرميت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي والبلغاري بصفات غير لائقة في انحياز صريح بل متعصب لبطولات شهداء منظمة التحرير الفلسطينية. يومها جنبني بل انقذني له الرحمة وليد العمري مسؤول الحزب الشيوعي الاسرائيلي شكوى بعض "الشيوعيين" الى رئاسة الاكاديمية.
سبحان مغير الاحوال ومبدل الافكار، لقد تحول بعض من تنعموا بكرم الاشتراكية وفيض خيراتها الى دواب يركب جنود الغزاة ظهروهم الى بغداد وربما فوق منحنيات دروب فلسطين.
من حيفا جاء خمر جلستنا، ماجد الخمرة ابو ربيع، حارس املاكنا وتراثنا وقد خصصنا لكرمه وعلمه حديثا خاصا. الى جانبه جلس كميل خوري، او "بوجنتسي" كما سميناه بعد رحلة تطبيق اثناء الدراسة تيمنا بتاجر بلغاري قديم جمع بين حذاقة المهنة وطيبة القلب والكرم. اتم الله سعادة وفرح كميل أن من عليه بليلى زوجة؛ هي امرأة جاء الله بها الى الدنيا بعد ان طهرها من كيد حواء.
طالب عواد او  سامي لا فرق طالما الاسماء جميعها لله والمؤمنين،  حارس كتاب، ايام وساعات تاريخنا ونصوصه. جاءنا وقد سلبه الدهر ما بين فكيه فبقيت طيبته زيتونة تدر كل عامين وافر الزيتون والزيت. لكن الزيتونة التي غرسها فلاح كريم، آثر مستعيرها تسول الزيت بعد ان شجع  دهاقنة العربشة على سرقة ثماره ومكافأة؛ منحهم مناصب في مؤسسات دولة لا يستحقون. لا عليك يا طالب فالبسطاء وحدهم السعداء والبقاء للأوفياء رغم انف الشياطين المتحذلقين.
قلقنا ثلاثتنا (ابو اليسار وسميرة وانا) على قلة صحة وعافية سمير؛ محمود ابو رحمة،  آه على الزمن الاعمى الذي لا يرحم ولا يذر. زمن قاس لا يقيم وزنا للرجال فيباغتهم غير آبه بتضحياتهم وتفانيهم في عطائهم. تسأل عن المساواة فتجيبك المساواة، انا حرة، اقيم عدلي وفقا لميزان القوة، والايمان مستسلما سخريتي. لكن زوجة طيبة تشع عطفا وقد جاءت ببرعمين يحرسون سميرا فجعلوه على عادته متقدا لا يسقمه المرض ورجاؤه حرة فلسطين.  
جاءوا أحباء وأبو السعيد يبعث باعتذاره من قرب النهر عابرا الجسر في عمل عند اشقاء لنا محبين؛ من كل احياء رام الله ومدن وبلدات الضفة وفلسطين جاءوا ليعانقونا، آه ما اكرمه من كرم لا تتذوقه الروح الا عند ورثة كرم حطين.  من قال لكم ان فلسطين هي الضفة الغربية وقطاع غزة؟  خاب فأل الشيخين حمد وجاسم ووضاعتهم التي بها حشيا  جلباب رياضة ومنافسات لم يكن لهما فيها لا ناقة ولا بعير ولا حتى قط او فأر مذعور. بلمح البصر دق ابواب صدورنا منتصف الليل والبيوت ملأى بالحب تنده قلقا على احبة لم يتأخروا بل من خمر اللقاء لم يسكروا بل نزلت الصحوة عليهم من السماء؛ فكان ان أصروا بنا متشبثين البقاء بينهم ليرونا عشقهم مزروعا في جذور الوطن؛ اريحا؛ الخليل ونابلس وما كان الاعتذار الا تحسبا من استبداد محتل لئيم. تعانقنا وقلنا الى اللقاء لأن زمن الوداع قد ولى وانحنى خاشعا لصبر اهل الوفاء الصابرين.
لقاء، تعلمت فيه درسا  وانا اقترب الستين، لم تقدمه لي لا جامعة ولا جامع ولا عالم بل معاركة الحياة، لا محالة فاضحة امر المتزلفين والمنافقين فتلفظهم احياء امام الناس اجمعين. نحن رفاق، افئدة وألسنة تحكمها وتديرها  قلوب وعقول على موقد نارها استوت الحكمة المجبولة بعرق الاجتهاد والعمل الشاق.  طوال سهرة في ليلة بالحب والتفاهم عامرة غاب عنها  تعصب دهاقنة السلطة (ليس المقصود "السلطة الوطنية" وحمدا لله ان هذا التعريف قد سقط بحكم التقادم) والاحزاب. خط سير تفكير وكلام باستقامة يصعد معانقا عباب السماء، عن الوحدة والتعاون، التسامح، التفهم والتفاهم والمحبة وكل ما في قاموس القلب من انسانية دافقة نبذت التعصب والتشدد وكراهية الشقيق والآخر لتباين في الفكر او المصالح اوالرجاء.  من هناك من على التل خاطبت اهل تل ابيب وهم لآذانهم صامون؛ فقلت سنأتيكم بسلام عادل له سترضخون. لسنا من قال "سنرميكم في البحر" بل امرتم زناديقكم تحريضا ليقولوها استعطافا منكم ومكرا للعالمين؛ ها انتم مفضوحون وعلى حبال الغطرسة والارهاب منشورون. سنجبركم على احترامنا وحقوقنا ودولة ديمقراطية حقوق الانسان تصون وترعى بعد توقف زنادقتكم عن جلب المستوطين واقرار حقوق اللاجئين بالعودة وتعويض ما خسروا وما فاتهم وما عانوا بأموال وحراب اسيادكم المتغطرسين.
صباح يوم الجمعة، خلع بالحق وزير خارجية فلسطين أباطيل من كانوا على السلطة مسعورين، فراحوا  بالقناطير والارطال بتهمة الفساد يرمون دون تمييز كل موظف او وزير دون ان ينجو من سواد قلوبهم وعمى بصيرتهم كره ابو مازن وقبله المرحوم عرفات الذي اوقده حب الملايين فاقئا اعين وقلوب من كانوا في الماء العكر مصطادين. كنت وابو صطيف نشتري خبزا لفطور الصباح من فرن شعبي تديره سيدة حنون والى جانبها عند بيت النار خباز على شاطوحه الخشبي يدخل عجينا ابيض ليخرج على  الآخرالحديدي  مستديرا اسمر متعة للعين يشفي بسحر مذاقه الارواح قبل البطون.
عند ضريح، حديقة ومتحف محمود درويش وقفت وصحبي مندهشين مذهولين وعبارات تصدح "من الوطن الى محمود درويش"، كلمات نطقت بكرم القائمين على  بلدية رام الله وصدق صاحبها بعظمة اهل فلسطين. ليست العظمة خبزا يأكله، ولا ماء يشرب، ليست العظمة بضاعة من الصين، او لندن، او باريس جلبابا يلبس او فلسفة، ولا هي عبارات تتعتع بتفسيرات ديمقراطية جوفاء دفعها غزاة الحضارة والثروات ناهبين، بل العظمة وفاء وتضحية. معذرة قارئي لم تعتد العين منذ طفولتي على هكذا مشهد الا في بريطانيا وسلالتها من اباطرة الحضارة العالمية مختلسين؛ بعد ان ذبح اقزام عرب حضارة امة وتاريخ صنع التاريخ من اجل بطونهم وكراسي مخلعة وزيف مجد بالخيانة ولطع بقر العمالة مجبول. فوق شاهد القبر خطت عبارة "اثر الفراشة لا يمحى، اثر الفراشة لا يزول". لم الحظ عبارة "الفاتحة" اعلى شاهد القبر. هنا اقام الجمال والتسامح الذي يعشق الله مجده، فاقام فاتحة لاهل رام الله وجميع الخيرين الطيبين. ألين - ام لؤي- ام صطيف، لم تتعب وفيروزنا في انتقاء الاسماء تعبت كما تعب اهلونا "تينقوا اسامينا".  استحضرت الين طفولتها فراحت تركض مرحة في الحديقة تلهج بكلام العشق لدرويش وفنه. آه؛ يا الين صليبا لقد عوضك حبك وعشقك وبساطتك، ورقة قلبك واهلك مرارات اللجوء في لبنان واصقاع كندا مشتتين. انت فراشة تمنيت لو كانت بادرة المرقسية ام اليسار معنا لتشاركك ونحن فرح يوم مشرق من ايام فلسطين. نحن اهل الوفاء قالت الين، فهنا اطلقنا اسماء الشهيد جورج حاوي وسناء محيدلي وسميحة خليل  و..... على شوارعنا لنحيي ذكرى من عشقوا وقضوا من اجل فلسطين؛ لا يهمنا ان كانوا لبنانيين، سوريين... عراقيين... فلسطينيين... عربا؛ اجانب فرنسيين او جنوب افريقيين. نحن اهل الوفا، نحن فلسطينيون وصدورنا تسمو بالتسامح وبمحبة اهل العالم اجمعين؛ فهل من نصير لأهل الحق  هل من معين؟.. (انتهى)

 

(باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)   

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأمن الأمن.. ولا أمن يعلو على أمن اسرائيل؟!

featured

يوم انتصرت الزغرودة

featured

"يَحدُث كلّْ خَميس"

featured

يترتّب على القصيدة أحيانًا أن تُهمل فوضى الصباح وأن تتجنب صدام الظلام

featured

ستار الدخان لزعيم اليمين

featured

قــــــادرون مـــعـــــا<br>عــلـــى الــتــغــيـــيــــــر

featured

القاعدة في مالي وسورية – مهزلة الارهاب