الصراع الاجتماعي على الثروة (والدخل) أول مفاتيح الديالكتيك، وعلى قواعدها تنشأ الطبقات الاجتماعية أول مرة. بعدها الصراع على الإمساك بناصية السلطة العامة أو السياسية. وبينهما صراع رأس المال الرمزي وفق «بوردييه» وأضرابه من رواد ما بعد الحداثة في علم الاجتماع والاجتماع السياسي (بودريار، جيل دى لوز... الخ)، بالإضافة إلى البحث عن «المكانة» عند ماكس فيبر من قبل، وهذا صراع بينيّ وليس رئيسياً على كل حال. والثالث صراع على امتلاك المعرفة، بما فيها العلم والفن والوعي الاجتماعي. ورابعها التناقض على قاعدة حيازة القدرات العسكرية واستخدامها في حسم الصراعات السابقة.
الدعم الخارجي المكثف، هو أمر تتوفر بشأنه قرائن عدة للمراقبين والباحثين، وشواهد إثبات أمام منّصات القضاء، ولسنا هنا في معرض التعرض المحدد أو المفصل لها. غير أن لنا أن نقول إن البيئة المعقدة للإقليم الممتد للمنطقة العربية ــ الإسلامية المركزية قد يسّرت ذلك إلى حدّ بعيد، من هضبة الأناضول إلى منطقة الساحل الأفريقي، إضافة إلى البيئة الدولية المحيطة بنا، خاصة جراء سلوك (الإمبربالية الكبرى) الولايات المتحدة الأميركية، و(الإمبريالية الصغرى) إسرائيل، بين ظهرانينا ومن حولنا مشرقاً ومغرباً عربيين.
في نوع من التعليق التحليلي على هذه اللوحة التصويرية، كتطبيق للطريقة الجدلية تنزيلاً على فهم الظاهرة، يمكن تتبّع الخطوات التفسيرية، مع شيء من التطبيق على الحالة المصرية كما يلي:
(1) منبع العنف كائن ــ أو كامن بالأحرى ــ في التناقضات الاجتماعية:
تتحدد التناقضات الاجتماعية بالصراع على أربعة أمور رئيسية: الثروة والسلطة والمعرفة (أو الوعي) والسلاح، هذا إذا استخدمنا استعارات (ألفن توفلر) العائد إلى ثلاثة عقود تقريباً خلت.
الصراع الاجتماعي على الثروة (والدخل) أول مفاتيح الديالكتيك، وعلى قواعدها تنشأ الطبقات الاجتماعية أول مرة. بعدها الصراع على الإمساك بناصية السلطة العامة أو السياسية. وبينهما صراع رأس المال الرمزي وفق «بوردييه» وأضرابه من رواد ما بعد الحداثة في علم الاجتماع والاجتماع السياسي (بودريار، جيل دى لوز... الخ)، بالإضافة إلى البحث عن «المكانة» عند ماكس فيبر من قبل، وهذا صراع بينيّ وليس رئيسياً على كل حال. والثالث صراع على امتلاك المعرفة، بما فيها العلم والفن والوعي الاجتماعي. ورابعها التناقض على قاعدة حيازة القدرات العسكرية واستخدامها في حسم الصراعات السابقة.
في التناقض المعقد على هذا النحو، يسكن جذر الممارسات الاجتماعية، بما فيها ممارسة العنف. وفي مصر المعاصرة تبرز أوجه التناقض جميعاً، من تناقض على حد الثروات والدخول نتجت عنه جماعات طبقية (وربما طبقات)، ونشأ بعضها واندثر بعض آخر، طوعاً أو كرهاً، وخاصة بعد ثورة 23 يوليو 1952 حتى 1970، في حقبة «تدخل الدولة الاجتماعي للعدل والتنمية» عموماً، ثم منذ 1971 في الحقبة الممتدة للانفتاح الاقتصادي و«الليبرالية الجديدة»، على موجات متقطعة مختلف ألوانها حتى الآن. وقد نشأت فاشتدّت صراعات على السلطة، بين النخب السياسية الممثلة للشرائح الاجتماعية، خلال ثلاثة أرباع القرن الأخيرة، وكانت لها انعكاساتها على «نخبة القوة» Power Elite جيلاً من بعد جيل (حزب الوفد نموذجاً).
بين الثروة والسلطة أطياف رموز المكانة ورأس المال الرمزي، ملأت الدنيا وشغلت الناس خلال قرن ويزيد، على أيدي «الأفندية» عند ثورة 1919، و«الطبقة المتوسطة» بعد ثورة يوليو 1952. أما صراعات المعرفة والتعليم (الثانوي والجامعي)، فكانت ولم تزل قائمة على قدم وساق، تفرز شرائح وتطيح بأخرى، دون هوادة، لتغير نسيج «نخبة القوة» بل الطبقات والجماعات الطبقية أيضاً. وأما الصراع على الجيش وفي الجيش تجسيداً للقدرات العسكرية، فبرز على واجهة المسرح يوم الثالث والعشرين من يوليو 1952 وما تلاه من أيام كل عقد أو عقدين، أو أقل أو أكثر.
في هذا الخضم التفاعلي الضخم نشأت جماعات العنف والعنف المسلح والإرهاب المنظم وغير المنظم في التاريخ المصري المعاصر، تاركة ببصماتها اللينة أو الخشنة على جنبات المسرح حتى اللحظة.
(2) تمظهرات الديالكتيك الاجتماعي تجتمع في الأيديولوجيات السياسية:
من ماركس (الأيديولوجيا الألمانية) إلى كارل مانهايم (الإيديولوجيا واليوتوبيا)، وألثوسير (من أجل ماركس) إلى عبد الله العروي (الأيديولوجيات العربية المعاصرة)- أو قلْ: الخطابات Discourses من ميشيل فوكو (أركيولوجيا ــ حفريات ــ المعرفة) إلى محمد عابد الجابري في ثلاثية أو رباعية «العقل العربي» ومحمد أركون... وآخرين.
هذا، ومن الأيديولوجيات ما قتل! ذلك مما يتضح من بعض تفرعات العمل العنفي المنبثة في بعض الأعمال الممثلة لما يمكن تسميته بالأيديولوجيا ــ أو الإيديولوجيات السياسية ــ الإسلامية، حين (تنطلق الكلمات من فوهة البندقية). ومن أحدث ما يرصد في هذا المجال خلال نصف القرن الأخير ما يمكن أن يطلق عليه «الفكر القطبي» في منتصف الستينيات من القرن المنصرم العائد في بعض منه إلى أبي الأعلى المودودي، وبعض اجتهادات ما يسمى «التنظيم الخاص». ثم جماعات وتجمعات العنف المسلح، تحت رداء التأويل الديني، في مصر بصفة خاصة، بدءاً من السبعينيات والثمانينيات: من جماعة صالح سرية في حادثة «الفنية العسكرية» إلى جماعة التكفير والهجرة ــ شكري مصطفى، ثم «الجماعة الإسلامية» و«الجهاد» ودع عنك تنظيم «القاعدة» في الثمانينيات انطلاقاً من أفغانستان وباكستان، وأخيراً «داعش» ISIS خلال السنوات الخمس الأخيرة تحت راية الخلافة أو «الدولة الإسلامية»، ومنها في مصر («أنصار بيت المقدس»...) ومن حول الجميع زرافات ووحدان من كل حدب وصوب، بما فيها خلايا يقظة أو نائمة، وذئاب منفردة انتسب بعضها مباشرة أو غير مباشرة إلى أجنحة من التنظيم (الأصلي) لجماعة «الإخوان المسلمين»، بعد 30 حزيران 2013. وقد أخذ يرتع الجميع، بألويتهم الأيديولوجية المتباينة، في شبه جزيرة سيناء بصفة أساسية خاصة في الشمال والوسط، وعلى الحدود الغربية لمصر مع ليبيا.
(3) استفحال الوجود العنفي والإرهابي في ظل بيئة حاضنة مفترضة، ودعم أجنبي مكثف، تجنيداً وتمويلاً وتسليحاً وإشرافاً مباشراً وتنظيماً:
البيئة الحاضنة لا نعلم عنها الكثير، ولكننا نعرف أن جماعات العنف المسلح والعمل الإرهابي قد «توطنت» زمناً في كهوف ومغارات، وقرى وأحياء مدينية، في الشمال والوسط من شبه الجزيرة السينائية، تتبع قاعدة «اضرب واهرب». واستطاعت هذه الجماعات أن تجد ملاذاً آمناً أو غير آمن، لأوقات ومدد متفاوتة، بالاستفادة من ظروف الحاجة، لانعدام أو قلة مصادر العمل الشرعي المكسب لجماعات اجتماعية وقطاعات من السكان داخل أو خارج سيناء والشريط الحدودي الغربي.
أما الدعم الخارجي المكثف، فهو أمر تتوفر بشأنه قرائن عدة للمراقبين والباحثين، وشواهد إثبات أمام منّصات القضاء، ولسنا هنا في معرض التعرض المحدد أو المفصل لها. غير أن لنا أن نقول إن البيئة المعقدة للإقليم الممتد للمنطقة العربية ــ الإسلامية المركزية قد يسّرت ذلك إلى حدّ بعيد، من هضبة الأناضول إلى منطقة الساحل الأفريقي، إضافة إلى البيئة الدولية المحيطة بنا، خاصة جراء سلوك (الإمبربالية الكبرى) الولايات المتحدة الأميركية، و(الإمبريالية الصغرى) إسرائيل، بين ظهرانينا ومن حولنا مشرقاً ومغرباً عربيين.
(4) المعالجة الأمنية، بمحدوديتها الظاهرة، قد شكلت سبباً إضافياً لتفاقم الظاهرة، منذ ما قبل «ثورة 25 يناير» 2011 حتى وقت قريب:
أشار بعض الخبراء هنا إلى الخبرات المستفادة المستمدة من تجربة «الحرب السورية ــ الروسية» في مواجهة الجماعات المسلحة والإرهابية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة خاصة 2015 ــ 2018 عن طريق تكتيكات «الزحف المتواصل» لتقطيع الأوصال وكسر خطوط الدفاع على مهل، وعزل الجماعات عن بيئتها الحاضنة، ثم الالتحام البشري بعد التمهيد النيراني الجوي والمدفعي، خطوة فخطوة. وهذا ما تم بالفعل، إلى حدّ كبير، في الحملة الأخيرة المسماة «سيناء 2018».
تلك هي الأسباب الحقيقية أو «الموضوعية» الأربعة من وراء الظاهرة العنفية المجسدة عسكرياً، مع علمنا أن هذه الأسباب الموضوعية إنما تفعل فعلها بعامل «التوسط الذاتي» ممثلاً في خصائص السيكولوجيا الفردية والجماعوية للأشخاص الطبيعية أو المعنوية، مما يدرسه علم النفس وخاصة للشخصية «السيكوباثية».
**ثالثاً: من «الأسباب الحقيقية» إلى «المعالجة الرباعية»
في ضوء الأسباب الأربعة الحقيقية السابقة، يمكن تحديد المداخل الأربعة الآتية للعلاج الناجع من المرض المزمن للعنف المسلح المدان والفعل الإرهابي الممتد:
1- الإدارة الناجعة، أي الصحيحة والفعّالة، للتناقضات الاجتماعية الكائنة على محاور الثروة والسلطة والرموز والمعرفة والتسلح. وذاك أمر يطول الحديث فيه، وإن كانت مفاتيحه القوية كفيلة بفك مغاليقه القائمة عن طريق:
أ- السير على طريق تحقيق الإنصاف equity والعدالة justice والمساواة equality وتكافؤ الفرص equivalence.
ب- توسيع مسارات المشاركة السياسية الشعبية الحقيقية وعند الجذور.
ج- الفهم الحصيف للسيكولوجيا الاجتماعية للطبقة الوسطى الصاعدة المتوسعة بالفعل خلال العقود الأخيرة.
د- فتح أبواب المعرفة والتعلم ــ في العصر الرقمي ــ لمختلف الفئات الاجتماعية، خاصة ذات المواقع المنخفضة على سلّم الدخل والثروة.
2- توسيع نطاق البحث والدراسة على المستوى الأعمق للأيديولوجيا والخطابات، في أقسام العلم الاجتماعي بمعناه الواسع، داخل مراكز البحث والجامعات، فهماً تكاملياً حصيفاً وتعاملاً.
3- التحسين الجوهري لشروط حياة البيئات الحاضنة، خاصة في القرى والأحياء المدينية المكتظة والتجمعات الصحراوية، بالإضافة إلى تجفيف منابع الدعم الخارجي دون هوادة.
4- الحفاظ على قوة الدفع لتكتيك (الزحف المتواصل) بغير انقطاع وإلى أمد معلوم في الأفق المنظور.
(عن "الأخبار" اللبنانية)
* أستاذ في «معهد التخطيط القومي» القاهرة
