عربي، عربي وكمان عربي والجندي الحذر!

single

لم يكن السفر بالباص من تل ابيب الى ايلات مملا. سفرة طويلة لخمس ساعات متواصلة، قطعت روتينها استراحتان للركاب، وكذلك لقطات واقعية من فيلم حياة العربي في اسرائيل. صدفة، لكنها الواقع. اقسم بعظمة رقبتي اني كنت شاهدا عليها، واسجلها ليس من باب الخواطر بل توثيقا لواقع ليس غريبا عنا وعنهم،  ولكن الى متى؟
بعد الاستراحة الاولى في محطة البنزين على مدخل راهط في النقب،عاد الركاب الى الباص لمواصلة السفر، بطبيعة الحال يزداد عدد الركاب، ولكن قبل ان اصعد الى الباص رن هاتفي النقال وتحدثت مع الطرف باللغة العربية العادية اذ انه عربي قح وانهينا الحديث على اللقاء في ايلات.
جاري في المقعد شعر باستغراب وسألني باية لغة اتحدث، قلت اللغة العربية فقال لكنك لا تتحدث مثل هؤلاء (مشيرا الى ثلاثة رجال يتحدثون العبرية بلهجة المغرب-مروكية) فقلت هؤلاء يتحدثون باللغة العبرية، الا تفهم هذه اللغة؟ فقال بلى انا يهودي وولدت هنا في البلاد. واردف يقول ولكنك لست مثلهم لغتك غريبة هل انت اجنبي وتتعلم العبرية؟ قلت  لا انا عربي ولدت هنا واتكلم العربية الفلسطينية وهم يهود عرب اصلهم من المغرب ويتكلمون اللغة العبرية. تنفس الرجل ابن الثلاثين الصعداء وقال  ماذا يحدث في البلاد؟ فقلت هذه خلطة اسرائيلية. يبدو انك انت الغريب.
العربي الثاني صعد الى الباص بعد تلك الاستراحة. والحقيقة تقال انه عربي حسب كل المواصفات في العشرينيات من عمره، اضافة لذلك فقد بدا وكأنه مضطرب نفسانيا او اخذ شحطة قوية او تنقصه تلك الوجبة. حركات يديه  ورأسه وتقلبات عينيه والثرثرة مع نفسه تدل على ذلك. لكنه لم يكن عدوانيا  ولم تظهر عليه علامات الغضب او ما يثير القلق. الا ان عيون الركاب تلاحقه ومنهم من ثرثر.
بحث عن مقعد  ووجده بجانب فتاة جميلة. بعد حوالي نصف ساعة من السفر يبدو انه شعر بانه غير مرغوب فقام ليبحث عن مكان آخر في الباص، لم يجد فعاد الى حيث كان الا ان الفتاة اعترضت واشارت بيدها الى مقعد شاغر، صرخ الشاب واصر على الجلوس، الا انه استدرك الامر وذهب الى مكان آخر.
بعد حوالي ربع ساعة قام جندي وتوجه الى الفتاة،وربما قد طرح عليها سؤالا وعاد الى مقعده، ثم قام الى القسم الخلفي من الباص وتحدث في تلفونه حوالي خمس دقائق، تبادر الى ذهني انه ربما هاتف الشرطة، وبعد ان عاد الى مقعده رن تلفونه وربما تلقى امرا ما.
في عين ياهف توقف الباص مرة اخرى للاستراحة العادية، وقال سائق الباص اننا في استراحة لمدة ربع ساعة، نزلت من الباص مع من نزل وكذلك الشاب "المشبوه" وبينما كان الركاب يقفون امام المقهى واذ بسيارة الشرطة تصل الى الساحة، ترجل منها احدهم وعلامات العروبة تغطي وجهه كما تغطي البدلة السوداء جسمه، القى نظرة على الساحة وسار متوجها الى ذلك الشاب وكأنه مثل ابو كلبشة شم رائحته عن بعد خمسين مترا. بعد ان سأله عن وجهته بالعربية الواضحة طلب هويته  وودعه قائلا مع السلامة  بس دير بالك. تركنا العربي الثالث وعدنا الى الباص وعاد "المشبوه" معنا، ثرثر البعض ومعهم الجندي وشكروه على "يقظته وحذره" فقلت في نفسي: البس المخرباني بخاف من طقطقة السكرة.
قال احد العنصريين: العربي الجيد هو العربي الميت. وهل صحيح ان ارواحا تلاحق بعض الناس اذا لم يكونوا مهوَّسين؟
وهاي كمان خلطة اسرائيلية. صدق من سأل : ماذا يحدث في البلاد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

قرية ُالورودِ وَمِظَلّةُ سلامِها

featured

الشعب اليهودي رهينة مزاج الاحتلال

featured

دفيئة الشعارات

featured

نتنياهو الغلاء وايران

featured

ما بعد التدخّل الروسيّ

featured

توفيق طوبي رجل المواقف والمهمات الصعبة

featured

ورقة عمل حول: حوادث ألعمل بفرع ألبناء مقدمة لمنظمة العمل الدولية

featured

مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني: رهان الأمل وتحدّي المشروع والآليّات