يا أصدقاءَ الإتحاد.. اتّحدوا !

single

في مصادفةٍ ما، بعد ظهيرة نهارٍ خريفيّ ملتبس، أغادر القطار القادم من تل أبيب، في محطة حيفا القديمة. كان ذلك في العام 1966. ومن بين الوجوه المسرعة نحو القطار من الجهة المقابلة، ظهر وجه النائب توفيق طوبي. وما ان التقينا وتبادلنا التحية حتى بادرني بالسؤال: من أين وإلى أين؟
قلت: من مجلة "هذا العالم" في تل أبيب إلى منزل الأسرة في الرامة، بتذكرة لاتجاه واحد.
قال: هل يعني هذا أنك تركت عملك رئيسا لتحرير المجلة؟
قلت: نعم. هذا ما حدث. إختلفت مع صاحب المجلة أوري أ?نيري حول قضية المدعو عبد القادر الجزائري. هذا الشخص الزاعم بأنه حفيد المجاهد الكبير، يقوم بجولة إعلامية في البلاد، يهاجم حركة التحرر الوطني العربية والفلسطينية ويمتدح إسرائيل والصهيونية. كتبتُ مقالاً للمجلة بعنوان "إحذروا الخائن" فغضب أ?نيري واحتج: لماذا تخوّنون كل من يدعو إلى السلام بين إسرائيل والعرب؟
قلت: هذا الشخص ليس داعية سلام. إنه داعية استسلام. والأجهزة الإسرائيلية تصنع من اسمه قناعا تروّج من ورائه لبضاعتها السياسية الفاسدة.
قال توفيق طوبي: كان لديّ إحساس قويّ بأنك لن تنسجم مع الحالة السياسية المحيطة بك هناك. أنا أعرف أنك لست شيوعيا لكنني أعرف أن ما يجمعنا سياسيا وفكريا أكبر بكثير مما يفرّقنا. مكانك الصحيح هو في صحافة الحزب. تعال إلى "الاتحاد" أو "الجديد" أو "الغد" واعمل معنا، فمكانك الصحيح هو معنا وبيننا وليس أي مكان آخر..
بعد أيام كنت أتناول إفطاري في مطعم إسكندر الحيفاوي الشهير. مرّ بجانب المطعم جورج طوبي رآني فرفع يده بالتحية، ثم دخل يسلّم عليّ مرحا. قال: أفطرت من ساعة لكنني سأشرب معك القهوة وسأحاول إقناعك بالعمل معي في مجلة "الغد"، فقد حدثني توفيق عن لقائكما السريع في محطة القطار.
عملت مع المرحوم جورج طوبي في "الغد" لفترة وجيزة، ثم دعاني المرحوم الدكتور إميل توما للإنضمام إلى أسرة الاتحاد، وكان معه هناك صليبا خميس وعلي عاشور ومحمد خاص ومحمود درويش وعصام العباسي.
وبطبيعة الحال فقد كان عليّ وعلى محمود (رحمه الله ورحمنا جميعا)، بصفتنا أصغر المحررين سنّا، أن نكتب ونحرر ونصحح ونبيع الجريدة لجيراننا في حيفا.
وكنا نتنافس في سرعة تصحيح الصفحة بأقل ما يمكن من الأخطاء. أما المبيع فقد كان "مجانيا" وبطبيعة الحال فإن أثمان الجرائد تخصم من مرتبنا الضئيل أصلاً..
ولأننا الأصغر سنا فقد وَضعت علينا مسؤولية أخذ المواد للرقابة العسكرية قبل طباعتها، ومحاورة موظفات الرقابة من الجنديات الصغيرات، والجميلات أحيانا، واللواتي تعلّمن اللغة العربية في الجامعة لهدف هام، هو مراقبة ما نكتب وقبول دعوتنا لارتشاف فنجان قهوة على جبل الكرمل بعد الدوام المضني..
وكنّا مشاكسين ومشاغبين أحيانا لكن صدر إميل توما كان رحبا بما فيه الكفاية لاستيعاب جموحنا.
وكان يغفر لنا تأخُّرنا المزمن عن دوام الصباح، لأنه يؤكد للجميع دائما أننا أضفنا الكثير من الحيوية للجريدة.. وأننا حين نصل المكتب  في وادي النسناس متأخرين، فقد كان يجد العزاء في قصيدة جديدة أو مقالة ما، في شأن ذي بال من شؤون الثقافة والسياسة والمجتمع.
واصبح العمل في الاتحاد أو الجديد أو الغد أكثر إثارة وثراءً باتساع الرقعة وبوجود إميل حبيبي وتوفيق زياد وسالم جبران وسميح صباغ وآخرين أرجو معذرتهم إذا غابت عن بالي بعض  أسمائهم في هذه العجالة، وعلى إثرهم جاء الدكتور أحمد سعد وابراهيم مالك ومحمد علي طه والدكتور إدوار الياس ونظير مجلي و..
كان عملنا في الاتحاد منسجما تماما مع المقولة الشعبية "قلَّة وبسط".. ورافقت "القلَّة" سلسلة من الاعتقالات والمضايقات والتهديدات، ولطالما عكَّر "البسط" ضيق ذات اليد..
وأعترف هنا بأن "ضيق ذات اليد" دفعنا أحيانا إلى "الاستدانة بالإكراه"، أو إلى "إبتزاز"  وجبة غداء من المرحوم المحامي حنا نقارة، حين يأتينا الخبر اليقين بأنه "ربح" قضية ما..
ذات يوم اقترح علينا المرحوم علي عاشور أن نعبئ صندوق خضار بالقصائد، وننزل إلى السوق بجوارنا فقد يكون هناك من يحب الخس والبقدونس.. والشعر أيضا!
وحين لم نعثر على نقود تكفي لوجبة غداء في المطعم فقد توجهنا إلى رفيقنا المرحوم محمد خاص:
يا محمّد
يا أميرا. يا ابن من كانت وتبقى
أَبَدَ الدهرِ أميره
أعطنا خمسين ليره
فانتهرنا محمد خاص: أغربا عن وجهي فأنا فقير مثلكما!
تشاورنا في الأمر ثم عدنا إليه:
يا محمَّد
يا فقيرا، يا ابن من كانت وتبقى
أبد الدهر فقيره
أعطنا عشرين ليره!
ورغم "تنازلنا" من الخمسين ليرة إلى العشرين ليرة فقد ظلّ محمد خاص مقطّبا جادا.. وبينما كنا نتوشوش حول المشكلة، فقد نادانا محمد قائلاً: معي عشر ليرات خُذاها ولا تعيداها وليكن غداؤكما هنيئا مريئا!
عجبنا "لنوبة الكرم" هذه، لكن محمد خاص لم يمهلنا طويلاً: قاتل الله الشعر والقافية.. بعد أمير وأميره وفقير وفقيره سيأتي دور حقير وحقيره، فكفّا شرَّكما عني وعن أمي.. وصحّتين!
ثمة أحداث وطرائف كثيرة، ومصاعب ومتاعب ومفارقات، لازمت عملنا في صحيفة الاتحاد وإصدارات الحزب الأخرى، لكننا، في المحصّلة، وجدنا في الاتحاد وزميلاتها ومشتقّاتها، المنبر العالي لقصائدنا، والأفق الرحيب لثقافتنا الأممية ولإلتزامنا القومي والوطني والإنساني.
وبصراحة، بمنتهى الصراحة، فإن وضع الاتحاد في هذه الأيام لا يرضي محبّيها الكثر، ولأن الاتحاد ليست مجرد صحيفة بل هي مَعْلم هام من معالم بقائنا وصمودنا وحلمنا وتاريخنا، فإنني أهيب بكل من يهمهم وجه روحهم وذاكرتهم وطموحهم الوطني والقومي والطبقي والإنساني، أهيب بهم، بكل المحبة والثقة والأمل: يا أصدقاء الاتحاد.. اتحدوا!
ولا ريب في أن تحولات الواقع تؤكد أكثر فأكثر أن شعار "يا عمال العالم اتحدوا!" الذي وشمته الاتحاد على جبينها العالي، هو الشعار الصحيح والمناسب في مواجهة تسونامي الرأسمالية المتوحشة، الذي يهدّد أكثر من مليار إنسان بالموت مرضا وجوعا وفقرا مدقعا..
إذا، فاعذروني مرةً أخرى:"يا أصدقاء الاتحاد.. إتحدوا!"..
بكل المحبة والتفاؤل الثوري
أخوكم ورفيقكم وصديقكم
سميح القاسم

 

(ألرامة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"مهندسو السياسة" وتحولات القوة العالمية

featured

خواطر للعام الجديد

featured

الكتابة في الصحف العبريّة

featured

النموذج الصيني يتحدى لليبرالية

featured

نيل المرأة لحقوقها كاملة يكون فقط في كنف الاشتراكية

featured

حكايتي مع الرفيق نمر مرقس: المدرِّس والقائد والمعلم الكبير

featured

اعترافات امريكية

featured

انطلاقة أخرى لمارد الفاشية