حكايتي مع الرفيق نمر مرقس: المدرِّس والقائد والمعلم الكبير

single

انخرطت في العمل في قيادة الشبيبة الشيوعية سنة 1966 وذات يوم وجه لي الرفيق نمر مرقس دعوة للقاء به في الناصرة وكنت اجهل غرض اللقاء وهدفه. جرى اللقاء في مساء احد الايام من شهر ايلول من تلك السنة، في مطعم الطبر، وبعد حديث ذي شجون، ممتع، عذب وفكاهي دار بينه وبين الرفيق غسان حبيب، وكليهما من قيادة الشبيبة الشيوعية القطرية. وفي لحظة من اللحظات كفّا عن حديث الممازحة والمداعبة. بدأ الرفيق نمر يتحدث بجو من الجدية فاختلفت ملامحه. وتغيرت سماته وقطب جبينه، فدخل في مداخلة، عن اهمية الشبيبة الشيوعية، ودورها بين الشباب، وعن اهمية قياده شابة واعية ومخلصة واخيرا اجمل حديثه بعرض فكرة تفرّغي للعمل في اتحاد الشبيبة الشيوعية، وكنت حينها عضوا في لجنة منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية، كان ذلك بُعيد سفر الرفيق توفيق كناعنة للدراسة الحزبية في موسكو. وتابع يقول لا تحسب ان الراتب مُغرٍ. انه بخس وزهيد، ولتعلم انه لا يتجاوز الـ "215 " ليرة. وهو تطوع اكثر منه راتب. عندها اصابني شعور بالذهول. لأمرين اثنين الاول: لأني اعيل عائلة من ستة انفار، والثاني لمداخلته التي استرسل فيها واطنب، فتملمت وتلكّأت في الرد واستعصت عليّ الاجابة فأحسّ بذهولي وارتباكي. وبذكائه وحذاقته عرف من اين تؤكل الكتف استبقني ليخفف من ذهولي وارتباكي، وليدفعني لقبول الفكرة. وكنت حينها اعمل في القدس بالمقاولة، وكان عملي يدرُّ عليّ اجرا وربحا لا بأس به.
فقال: "لو كانت القضية شخصية ومالية، لما كنت واجهت السلطات وكان حرِيًّا بي ان اذعن لمطالبها وارضى بالسكوت على الضيم، وبقيت معلما يعيش في بحبوحة ونعيم. وتساءل يقول: وهل هذا هو شأننا؟ ثم اختزل حديثه فقال: يا رفيق عمر أمامك خياران اما الحزب او المال؟ فاختر احدهما. وقفت في حَيرة من نفسي. فقلت امهلاني شهرا. فقال لا الامر لا يتحمل ذلك اكثر من اسبوعين فقط.
عاد الرفيق نمر مرقس من موسكو في النصف الثاني من سنة 1967. أطل علينا باشراقة جديدة. يحمل في جعبته الكثير من الانطباعات الجميلة والشيقة عن بلد الاشتراكية الاول.
عاد في خضم الهزيمة من حرب حزيران من تلك السنة وكان متوقّد الحماس متوهج الاحساس. وفي وجدانه تتفاعل رغبة جامحة في تثوير الرفاق والنهوض بهم لمناهضة السياسة السلطوية التي استشرست في ملاحقة اعضاء الشبيبة الشيوعية ورفاق الحزب بزجّهم في السجون والمعتقلات وفرض الاقامات الجبرية.
انضويت تحت رايته بشكل مباشر من مطلع  سنة 1968 عندما انتخبت سكرتيرا لمنطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية. وكانت السكرتارية مركبة من كوكبة من نخبة الرفاق الضالعين في العمل الجماهيري وبين الشباب والفتيات الرفيقة اوديت نمر، الرفيق جورج غريب، الرفيق مصباح زياد، الرفيق محمد بصول، الرفيق سامي غطاس وكاتب هذه السطور. كثّف  الرفيق نمر مرقس تواجده في الناصرة وصبّ جل اهتمامه بعد سفر الرفيق غسان حبيب الى الى برلين، المانيا الديمقراطية للدراسة الحزبية، في استنهاض الرفاق لمناهضة الاحتلال وحتى يكون على اطلاع يومي ومباشر كان يقود اجتماعات السكرتيريا بشكل دائم ومنظم.
كان عملنا نحن الاثنين يبدأ من الساعة الثامنة صباحا وينتهي في الساعة الرابعة والنصف مساء ليعود كل منّا  الى فروع المنطقة اوالى البيت. فتسنّت لنا الفرصة ان نستمع لبياناته ومداخلاته الغنية والعميقة فكان يحدثنا بمحبة، فنصغي اليه كاصغاء الطالب لمعلمه في المدرسة، وهكذا فقد نهلنا من ينبوع افكاره وغرفنا من بحر معلوماته الشيء الكثير. علّمنا ان للزمن قيمة وللانسان قيمة وقيما، واثناء عملنا في الناصرة، وفي ساعات الظهيرة- كان ابو النرجس يكاتفني لنعرّج الى مطعم الرفيق ابو يوسف حامد الدخيل، لنتناول وجبة الغداء من صحن الحمص وبعض اقراص الفلافل. وبعدها نعرّج على دكان الرفيق فرحان العرطول احد المعلمين الذين فُصلوا تعسفا، وقد اضحت هذه عاده استمرت اشهرا، وذات يوم صرخت زوجتي وقد اصمّ صراخها اذني، فذهلت وكأنها تراني لاول مرة.
وتساءلتُ ما بكِ، فقالت ما هذا الانتفاخ بجسمك وذلك  الكرش المتدلي، فتابعت حديثها وقالت: "الا يكفي غيابك المتواصل عن البيت نهارا وكثيرا من الليالي؟" فملت اليها وقلت بلواكِ عند ابو النرجس فالقروش شحيحة وليس باليد حيلة.
باشرافه المباشر سنة 1968 وضع لنا خطة عمل لنعمل بها وننفذها. وبعد ايام هبّت الفروع ونفذت حملة كتابة شعارات على الجدران ضد الاحتلال كانت فاتحتها في عرابة ثم انتشرت في الفروع الاخرى لتغطي معظم الفروع، فجُنّ جنون السلطات، فقامت باعتقالنا وزجّت بنا في السجن ودَفعنا الغرامات الباهظة وهكذا كان حال الرفاق في المناطق والفروع الاخرى، بذلك كنا قد استنهضنا الهمم وكسرنا حاجز الخوف وكابوس الاحباط.
كان أبو نرجس المدرسة وكان المعلم. علّمنا نكران الذات، نعتز ونفتخر اننا من مدرسته  اخذنا منه الكثير مما  ساعدنا على النضوج والتجذر وكان المثل الاعلى والنموذج الذي يحتذى بسجاياه المميزة وأفقه الواسع- ورؤياه الواضحة وعناده الصارم ونضاله المقاوم وفكرِه الثاقب وذهنه النافذ.
مرت الايام وافترقنا ليس عن قِلًى او كراهية او خلاف.
افترقنا ليأخذ كل منا موقعه الكفاحي والنضالي في مكان عمله وسكناه وان اضحت لقاءاتنا لِماما فقد ظلّت وشائج الصداقة والمحبة والاحترام المتبادل حميمة وقوية وكان كلّما التقيناه لا يفتأ عن القول ولا يسأم من التعبير عن شغفه للقيانا فكان كالأب الذي يلاقي ابناءه بعد طول غياب او المعلم الذي يلاقي تلاميذه الاعزاء فكنا لا نضنّ ولا نبخل لنسبغه جزيل  شكرنا العظيم.
 وداعًا أبا النرجس أيها الرفيق، الصديق العزيز
وداعًا أيها القائد صاحب العقل  الراجح والقلب الكبير. ومع وداعك تقافزت في ذهني الهواجس وتناثرت الخواطر وتشابكت الصور لأقول انّي مدين لكَ. ولكَ الفضل الكبير في انتشالي من براثن الطيش وشبق الشباب ومداعبة اللهو والهوى في شوارع القدس، وبئر السبع، وتل ابيب ويافا وشارع 60 الشهير.
فنم قرير العين يا ابا النرجس ولتبق ذكراك خالدة.

 

(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ماذا يحدث في البحرين؟

featured

حرية الرأي والتعبير

featured

متى سيسقط جنرالات الحروب في اقفاص العدالة

featured

واجب بني معروف لعبد الله أبو معروف

featured

أمريكا تدفع المنطقة لحافّة الهاوية!

featured

قانون الحَسمَسَة