قد أكون – رغم تقدّم العمر، ورغم الكثير مما قرأت، وسمعت، ورأيت، "غشيما" في سياسة هذا الزمن، خاصة في السياسة العالمية.
وقد تكون المعايير قد انقلبت، وصار اللص أمين صندوق، والحرامي حارس بنوك، والقاتل مصلحا اجتماعيا وسياسيا وعالميا، والجاهل محاضرا، ومُرْتَكِب الفواحش واعظا، أو بوّابا على باب الجنة، يُدْخِل من يشاء، ويطرد من يشاء!
وقد أكون خرّفتُ، بعد أن قهرت أكثر من سبعين سنة من الألم، ومن النكسات، ومن اقتتال الأخوة في الوطن الواحد، فقط ليسروا العدو، وما شاهدته على الشاشة الصغيرة من كلمات وصور، وما استنبطته من كلام الإعلاميين، ومن بين حروف وسائل الإعلام.
كل الاحتمالات واردة في زمن جنون التناقضات هذا!
ومع ورود هذه الاحتمالات، ثمّة سؤالان يلاحقانني ويلحّان: كيف يمكن لمندوب إسرائيل داني دانون أن يكون حارسا على القانون الدولي، برئاسته للجنة القانونية للأمم المتحدة والتي من وظائفها مكافحة الإرهاب.
من المفروض أن مثل هذه اللجنة تقوم بالنظر في المسائل القانونية، وبطرق مكافحة الإرهاب، وبدعم اتفاقيات ومواثيق حماية ضحايا الحروب، وحقوق الإنسان.
ومواقف الدانون هذا لا تخفى على احد، ومع ذلك أذكّر يبعضها فقط لتبرير أحد السؤالين، ولنفي صفة "الغشمنة".
دانون هذا. تخلّص منه نتنياهو ، بعد ان كان نائبا لوزير "الأمن"، لكثرة انتقاداته لسياسة نتنياهو، لأنه رأى بها معتدلة، وهو لا يريد الاعتدال. واشتهر أيضا بعدائه للفلسطينيين، ولعرب الداخل، وطالبهم بالاعتراف بيهودية الدولة. وشارك في حملات تحريض علنية على النواب العرب في الكنيست الإسرائيلية، ورفض، ولا زال يرفض، حل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية، واختلف مع نتنياهو لأن الأخير قبل وقف إطلاق النار في الحرب الأخيرة على غزة، واتهمه بأنه ينفذ سياسة اليسار الإسرائيلي، وهو من مؤيدي وأنصار مقتحمي المسجد الأقصى المبارك، وفَرْض السياسة الإسرائيلية عليه، ويدعو لتقنين صلاة اليهود فيه.
هذا على المستوى الشخصي.
أمّا على المستوى العام، فهو يمثّل دولة احتلال، تحتل بقوة السلاح أرضا وشعبا وتفرض الهيمنة، والحصار، وتصادر الأراضي، والمنازل، وتهجّر قسرا مواطنين من بيوتهم ومن قراهم، وتُقيم جدارا عنصريا لا ثانيَ له في العالم، وتقيم مستوطنات، مُشَرْعنة على عتبات البيوت، وعلى أراض منهوبة، وتخصص طرقا لليهود وأخرى للعرب، وتقيم المستوطنات وتنفذ أحكاما ميدانية عند الحواجز وعلى الطرقات، وتفرض عقوبات جماعية، وفي الحروب ترتكب أبشع المجازر والجرائم ـ فتقصف المؤسسات العامة، الثقافية والصحية، كالمدارس والمستشفيات، وتدمر البنى التحتية وتدعم منظمات إرهابية كأمناء الهيكل وتدفيع الثمن وغيرهما.
وكل ذلك على مرأى من العالم، وخلافا للمواثيق الدولية التي من المفروض أن تتبناها وترعاها وتحافظ عليها اللجنة القانونية للأمم المتحدة والتي يرئسها داني دانون ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة!
والسؤال الثاني الذي يلح: هل مندوبو الدول العربية الأربع التي صوتت لصالح دانون، هل حقا هم حقا عرب مثلنا، ومن أين يقبضون رواتبهم، وأين يصطافون، ومع مَنْ ينامون؟
أعذرني أخي القارئ على "غشمنتي" لأني متعب من ملاحقة أسئلة عن تناقض مجنون في عالم مجنون، يحمي القانون في دانون!