قبل أن تغيب الشمس عن عروبة القدس

single

القدس. جدران واستيطان!

  • بعيدًا عن الأضواء المسلطة هذه الأيام على الأحداث في عالمنا العربي تعمل إسرائيل جهارًا على حسم موضوع القدس كمدينة موحدة يهودية وعاصمة أبدية لإسرائيل. كل ذلك يتم من خلال سياسات جديدة في المدينة ومحيطها وعلى رأسها الإسراع في بناء المستوطنات والأحياء اليهودية في المدينة العربية وإقامة البؤر الاستيطانية الشبيهة بالأورام السرطانية في قلب البلدة القديمة وخارج أسوارها

الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يدخل مرحلة جديدة تحاول إسرائيل حسمها قبل أن يستطيع الفلسطينيون وإخوانهم العرب ترتيب أوراقهم من جديد. المؤسسة الإسرائيلية على يقين أن أمامها فرصة مؤاتية محددة زمنيا وتحاول استغلالها.
المسار السياسي الذي يتبعه نتنياهو وحكومته سيقضي إلى إقناع شعبه أن لا مجال للعيش المشترك بين شعبي هذه البلاد. الاستيطان اليهودي الذي لم يتوقف يوما منذ الاحتلال في العام 1967 هو خير دليل على سياسة نفي الآخر صاحب هذه البلاد. وبديماغوغيته سيدًّعي اننا نحن اليهود لا مكان آخر لنا سوى هذه الدولة أما انتم فلكم  دولكم العربية الكثيرة  لذلك عليكم ترك هذه البلاد لنا.. متسلحا بثقافة الخوف والتخويف، يمضي نتنياهو إلى إقناع شعبه بان لا شريك حقيقي  للسلام في الجانب الفلسطيني ولذلك لا بد من السيطرة كل شبر أرض بين البحر والنهر وفي مقدمتها مدينة القدس العربية.
بعيدًا عن الأضواء المسلطة هذه الأيام على الأحداث في عالمنا العربي تعمل إسرائيل جهارًا على حسم موضوع القدس كمدينة موحدة يهودية وعاصمة أبدية لإسرائيل. كل ذلك يتم من خلال سياسات جديدة في المدينة ومحيطها وعلى رأسها الإسراع في بناء المستوطنات والأحياء اليهودية في المدينة العربية وإقامة البؤر الاستيطانية  الشبيهة بالأورام السرطانية في قلب البلدة القديمة وخارج أسوارها.  من جهة أخرى تعمل إسرائيل على تقليل عدد السكان الفلسطينيين في المدينة بطرق مختلفة.
عند احتلال مدينة القدس الشرقية كانت مساحة منطقة نفوذ القدس الغربية 38 ألف دونم. ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال تم ضم المدينة العربية  بأحيائها العربية كلها ومساحتها 6 آلاف دونم لتصبح مساحة القدس "الموحدة" 44 ألف دونم.  عملت حكومة إسرائيل في العقود الماضية على توسيع منطقة نفوذ المدينة من الأراضي العربية المجاورة دون ضم سكان جدد إليها. ولم يتوقف سلخ الأراضي الزراعية من القرى الفلسطينية المجاورة للمدينة العربية لتصبح مساحتها الآن أكثر من 126 ألف دونم يسكنها اليوم حوالي 800 ألف مواطن منهم أكثر من 270 ألفا من العرب.
قبل شهرين أُقرت الخارطة الهيكلية لمدينة القدس، هي الأولى للمدينة منذ عام 1959. ويميز هذه الخارطة أنها  شملت ودمجت ولأول مرة، مدينة القدس العربية في التخطيط الإسرائيلي  للقدس " الكبرى". ولم تعط الخارطة أي حلول تطويرية مستقبلية للأحياء العربية. ويتضح ذلك من الهدف الأسمى لتخطيط المدينة ألا وهو تكريس التفوق الديمغرافي اليهودي في المدينة.

  • ثلاثة أهداف توسّعية


المشاريع الاستيطانية اليهودية في القدس جاءت لتخدم ثلاثة أهداف رئيسية هي: بناء حزام أمني - ديمغرافي يهودي حول القدس، أضعاف العلاقة بين المدينة وجوارها الفلسطيني وتقوية مكانة القدس كمدينة يهودية عاصمة للدولة اليهودية. من أجل ذلك اتبعت حكومة إسرائيل بناء المستوطنات ب أربعة دوائر: الدائرة الأولى بناء الأحياء اليهودية على الأرض العربية داخل منطقة نفوذ المدينة، الدائرة الثانية تمثلت باختراق الأحياء العربية نفسها وبناء بؤر استيطانية فيها، واليوم لم يسْلم أي حي عربي مقدسي من هذا الاختراق. والدائرة الثالثة متمثلة بإقامة أكثر من سبعين بؤرة استيطانية داخل البلدة القديمة. ويبلغ عدد السكان اليهود داخل أسوار البلدة القديمة حوالي 2500  مستعمر مقابل حوالي 32000 مواطن عربي. أما الدائرة الرابعة فهي عبارة عن غلاف استيطاني واسع خارج منطقة نفوذ المدينة ويبعد عن مركزها بين 10 إلى 30 كم.
الخارطة الهيكلية 2000 أوضحت توجهات المؤسسة الإسرائيلية ونواياها بالنسبة للمدينة المقدسة. فأقرت الخارطة بناء 50 ألف وحدة سكن حتى العام 2020، 20 ألفا منها في المراحل الأولى للبناء. ولا تسمح مؤسسات التخطيط بالبناء لأكثر من أربعة طوابق إلا في حالات نادرة. والهدف من ذلك هو التوسع أفقيا وليس عموديا. ولا توجد حالة كهذه في عواصم العالم المختلفة. والأنكى من ذلك أن بلدية القدس ومؤسسات التخطيط رفضت " مخطط صفدي" القاضي بتوسيع مسطح البناء وتطوير "القدس الكبرى" نحو الغرب وأكدت أن توسيع البناء وتطوير المدينة سيكون نحو الشرق فقط، أي على حساب السكان الفلسطينيين في الأحياء العربية.
تغيير الطابع العربي للمدينة المقدسة لا يتوقف على الاستيطان فقط بل يتعداه لتغيير الجغرافيا والرواية التاريخية للمدينة. لأسماء الأحياء السكنية فيها فحي الشيخ جراح أصبح حي "شمعون هتصديق". أما سلوان فأصبحت "هشيلوح" وهكذا دواليك. من جهة أخرى تنشط دائرة الآثار وبلدية القدس في حفر الانفاق الممتدة من خارج أسوار البلدة القديمة إلى داخلها وبالأساس تحت بيوت الحي الإسلامي. هذه "النشاطات العلمية الأثرية"  تأخذ طابع عمليات عسكرية لا يكشف عنها إلا بعد حدوثها.
لقد اعتمدت إسرائيل تاريخيا على السيطرة على أراض عربية من خلال الإعلان عنها مناطق عسكرية مغلقة.  وهناك اليوم 12 منطقة عسكرية كهذه ممتدة بين الأحياء العربية أو في داخلها . واليوم تركز بلدية القدس ومؤسسات التخطيط على الإعلان عن مناطق واسعة كمناطق مفتوحة أو مناطق خضراء يخطط لتحريشها وتبلغ مساحة المناطق المفتوحة والخضراء في خارطة القدس 2000 حوالي 35٪ من مجموع المنطقة المخططة في القدس الشرقية.

  • "حدائق وطنية" للمصادرة!


إن الإعلان عن  إقامة " الحدائق الوطنية" هو في صلب السياسة التخطيطية الجديدة للاستيلاء على الأرض الفلسطينية. هذه الأرض لا تتم مصادرتها من أصحابها الأصليين لكي لا يتم دفع تعويضات عليها، لكنها تتبع لـ" سلطة الحدائق الوطنية" الإسرائيلية. وكانت "الحديقة الوطنية" الأولى في محيط البلدة القديمة وبمساحة 1110 دونمات قد تم الإعلان عنها في العام 1974. وسيتم توسيعها في منطقة سلوان بعد أن تم إقرار الخارطة الهيكلية للقدس 2000. وحسب هذه الخارطة سيتم الإعلان عن حدائق وطنية في أحياء أخرى أكبرها في المنطقة الواقعة على سفوح جبل سكوبس بين الطور والعيسوية بمساحة 750 دونما. ويخطط لـ" حدائق وطنية أخرى في الشيخ جراح على مساحة 120 دونما وفي باب الساهرة (جانب متحف روكفلر) على مساحة 40 دونما. كذلك مخطط لإقامة "حديقة وطنية "  في جبل الزيتون على مساحة 467 دونما. ويستعمل الخطاب الديني والحاجة إلى المحافظة على "الحوض المقدس" من اجل شرعنة هذه المخططات.
إن من أخطر المخططات الإسرائيلية لإفراغ المدينة من سكانها العرب هو بناء جدار الفصل العنصري. وبالرغم من أن الدافع لإقامة الجدار هو أمني حسب الادعاء الإسرائيلي لكن السبب الأساسي لإقامته هو الهوس الديمغرافي الإسرائيلي حيث تم استثناء أحياء عربية كثيرة من المدينة وتركها وراء الجدار ومنها: أبو ديس، عناتا، كفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين وغيرها. والانكى من ذلك أن الخارطة الهيكلية ٢٠٠٠ ادعت انها لا تستطيع التأثير على الجدار العازل و مساره. 
وكأن بناء الجدار لا يكفي فجاء قرار المحكمة العليا بالمصادقة على قانون المواطنة العنصري الذي يمنع  لم شمل العائلات الفلسطينية. في صلب هذا القانون عدم السماح بالمواطنة أو السكن  في القدس أو في إسرائيل لكل من هو ليس مواطنا حتى لو كان متزوجا مع من يحمل البطاقة الإسرائيلية. ويتضرر عشرات آلاف الفلسطينيين من هذا القانون. 
السياسة الإسرائيلية تنفذها اذرع مختلفة تعمل بتوافق تام تشمل: بلدية القدس، وزارات مختلفة وعلى رأسها وزارات: الداخلية، الإسكان والبناء والقضاء، وجمعيات يهودية ومتطرفة ومنها "عطيرت كوهانيم" و"العاد"، هذه الأذرع تخطط لتكثيف جهودها الاستيطانية في هذا العام ووضعت نصب أعينها تنفيذ تغيير المشهد المقدسي الجغرافي - الديمغرافي والتاريخي لهذه المدينة. في صلب هذا التغيير:
أولا: التنازل عن الأحياء العربية خارج الجدار العازل والتي ستتولى أمورهم الإدارة المدنية الإسرائيلية أو السلطة الفلسطينية. ويهدف ذلك إلى تقليل نسبة سكان مدينة القدس بحيث لا يتعدى الـ 20  بالمائة.
ثانيا: إفراغ البلدة  القديمة من سكانها العرب والعمل على تقليل عدد السكان الفلسطينيين داخل الأسوار عن طريق الاقتراح عليهم بدائل سكنية مريحة في الأحياء العربية وخاصة بيت حنينا.
ثالثا: بعد النجاح في إقامة أحياء و بؤر استيطانية  يهودية في الجهات الثلاث للبلدة القديمة: من الشمال، الشرق والجنوب، سيتم التركيز في الأعوام القادمة على المنطقة الغربية للبلدة القديمة وبالأساس الحي المعروف بـ" المصرارة العربية" أو منطقة باب العمود.
رابعا:  الاستيطان اليهودي في منطقة E1 الممتدة من المدينة إلى الشرق باتجاه المدينة/ مستوطنة معالي ادوميم. وما خطة ترحيل أكثر من 25 ألف مواطن من عرب الجهالين وغيرهم إلا مقدمة لذلك المخطط. حيث يهدف هذا المخطط إلى منع التواصل الجغرافي بين شمالي الضفة الغربية وجنوبيها.
خامسا: التركيز على  سلوان الحي العربي الأقرب إلى الأقصى وساحة البراق.. هذا الحي العربي والذي يقطنه حوالي 50 ألف نسمة تسكنه اليوم سبعون عائلة يهودية في 15 بؤرة استيطانية. وهناك مخطط لتفريغ منطقة البستان وعين الحلوة داخل سلوان وتوسيع ما يسمى بـ"عير دافيد".

  • أعنف هجمة استيطانية


إسرائيل تستغل انشغال العالم العربي بربيعه والعالم الإسلامي بقضاياه المحلية الكثيرة لتغيير الطابع العربي الاسلامي والمسيحي للمدينة.. أما العالم الديمقراطي المنافق فلا يجرؤ على التحرك ومواجهة إسرائيل في أكثر المناطق حساسية وأسخن  بؤرة سياسية في العالم.
القدس ستشهد اعنف هجمة استيطانية في السنوات الثلاث القادمة. هذه الهجمة إذا ما نجحت من شأنها حسم مصير القدس وإغلاق ملفها كمدينة عربية أو عاصمة عتيدة للدولة الفلسطينية. حان الوقت أن تكون القدس على أجندة الحكومات العربية والاسلامية قبل فوات الأوان. والسؤال كيف يمكن استغلال التغييرات الجارية في العالم العربي من أجل حماية القدس من غول الاستيطان؟ الاستيطان اليهودي في القدس وباقي المناطق المحتلة مناقض للقانون الدولي .  ما دام أن مجلس الأمن والمؤسسات الدولية قد نفيا شرعية الاستيطان منذ العام 1980 لماذا لا يطوّر موقف قانوني أكثر حزما في المحافل الدوليةً؟ من جهة أخرى ألم يحن الوقت لاجتماع خاص لجامعة الدول العربية لوضع خطة عمل منهجية لحماية القدس وسكانها ودعم صمودهم؟

 

*مدير مشروع "عدالة" في النقب

قد يهمّكم أيضا..
featured

"إنتصار" إسرائيل وتزايد نزع شرعيتها

featured

العصا مسوسة والجزرة مخمجة !

featured

ممارسات إسـرائيلية ضد السامية

featured

روايات النكبة وحلم العودة

featured

"إجا العيد وفرحاته..."

featured

كيف يمكن للظلمات أن تصبح مضيئة

featured

لجنة تضامن مع أمير وعمر