من الامور التي اصبحت بديهية على ساحة التطور والصراع في اسرائيل، انه كلما تعمّقت ازمة السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبدأت تبرز ملامح تناقضاتها، فان ظاهرة "الطارد عن المركز" و "الجاذب الى المركز" تكشر عن انيابها المفترسة من خلال انقسامات واندماجات وتحالفات جديدة. فأزمة حزب "العمل" السلطوي الذي تخلى عمليا عن ما كان يميز هويته وطابعه كحزب ينافس على قيادة رسن السلطة اصبح حزبا مقزما ومسخوطا مذدنبا وراء الليكود وينتظر اصدار شهادة وفاته بعد ان تغلغل سرطان الانقسام الى جسمه واصبح حزبا من اربعة معسكرات متناقضة. فمن ثلاثة عشر عضو كنيست لهذا الحزب فان رئيس الحزب وزير الحرب الملاحق بتهم ارتكاب جرائم الحرب ضد الفلسطينيين والانسانية هو عمليا رئيس لمعسكر مكون من سبعة اعضاء وزراء ونواب وزراء حزب العمل في حكومة نتنياهو اليمينية. واربعة نواب يطلق عليهم اسم المتمردين الذين رفضوا الموافقة على دخول الحكومة الى جانب قوى اليمين المتطرف وليبرمان والمستوطنين ويستعدون لاقامة حزب جديد. اما المعسكر الثالث فهو مؤلف من النائبة يحيموفيتش التي ترفض الخروج من حزب العمل ولكنها تعارض سياسة براك وحكومة نتنياهو، اما بن سيمون الذي كان رئيس كتلة العمل البرلمانية فقد استقال احتجاجا على سياسة براك اليمينية ويتأرجح في موقفه مثل الكراكوز بين مجموعة الاربعة ومعسكر براك.
وفي سياق الطارد عن المركز ظهر في مطلع الاسبوع من تقمص دور المسيح المنتظر وان يكون "جحا كاسر مزراب العين" الذي بمقدوره انقاذ اسرائيل من الازمة ومن العزلة والادانة الدولية ودفع عجلة التسوية السياسية مع الفلسطينيين. انه الرجل الثاني بعد تسيبي ليفني في حزب كاديما، شاؤول موفاز وزير "الامن" في حكومة شارون ووزير المواصلات ونائب رئيس الحكومة في حكومة اولمرت – ليفني. فقد عقد مؤتمرا صحفيا في مطلع هذا الاسبوع دون التنسيق مع قيادة حزبه، فهو عمليا لا يعترف برئاسة ليفني للحزب ويسعى لازاحتها وتسلم قيادة الحزب ومرشحه لرئاسة الحكومة او لدخول ائتلاف مع الليكود مقابل حقيبة دسمة. موفاز يدعي ان لديه برنامجا سياسيا متميزا في مركزه اقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع ولكن بدون تحديد حدودها النهائية وانه خلال المفاوضات فيما بعد يجري الحديث عن مصير القدس واللاجئين وحدود الدولة الفلسطينية المنزوعة من السلاح. حتى هذه النقطة "ما جاب موفاز شيئا جديدا من بيت ابيه" بل هذا ينسجم مع برنامج حكومة نتنياهو الكارثية. الجديد الذي ركز عليه موفاز هو الاستعداد لاجراء محادثات مع حماس بصفتها السلطة الشرعية المنتخبة "اذا غيرت جدول اعمالها" فموفاز ينطلق ان السلطة الوطنية الفلسطينية في وضع مأزوم من جراء الرفض الاسرائيلي وحكومة نتنياهو في وضع مأزوم بسبب عدم رضوخ السلطة الفلسطينية و م.ت.ف للاملاءات الاسرائيلية الامريكية، ولهذا لم يبق في الميدان سوى حميدان، سوى حماس التي يمكن التوصل معها الى اتفاق ينتقص من الثوابت الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف. برنامج لن يكون مصيره سوى مزبلة التاريخ، ويستطيع موفاز بدون كسر مزراب العين ان يخلق ظروفا داخل حزبه كاديما تسمح له ولمجموعته العودة الى بيته الليكودي خاصة وانه من صقور اليمين المتطرف الملاحق بتهم ارتكاب جرائم الحرب ضد الفلسطينيين.
