لا شيء يثير لديّ السخرية والامتعاض في نفس الوقت مثل حديث الولايات المتحدة والغرب الاستعماري عن الارهاب ومحاربة الارهاب واقامة تحالف دولي لمحاربة هذا الارهاب. فهذه الدول، من تجاربنا المريرة معها، هي قمة الارهاب، وصانعة الارهاب، ومصدّرته الى منطقتنا والى العالم اجمع. وهي الراعية له، والموجهة لعناصره. كما انها واتباعها في المنطقة من جنّد هذا الارهاب، وموّله، وسهّل عبوره، وجنّد له الاعلام المضلل، واعطاه الشرعية، ووفّر له المظلة المناسبة والحاضنة التي تعينه على حرية الحركة. وهذه الدول هي التي سلّمت ودرّبت، من سمّتهم تارة بالمجاهدين، وتارة اخرى بالثوار، من خلال ما سمي بالربيع العربي، الذي هو الفوضى الهدّامة او الخلاّقة كما قالوا، من اجل تفتيت دول المنطقة على اساس طائفي ومذهبي، لاقامة ما يسمى بـ "الشرق الاوسط الجديد".
انخدع الكثيرون بهذه المقولة، ولا زال البعض لم ينفض الغشاوة عن ناظريه، رغم جلاء الصورة وانكشاف المشهد والمعرفة الكاملة للنوايا. واذا اردنا ان نصدّق اليوم حرصهم على محاربة الارهاب، بعد تمدد داعش وتغولها وتوحشها، واقترابها من الخطوط الحمر التي رسموها لها، فهل ما يقومون به الآن هو محاربة حقيقية لهذا الارهاب العابر للحدود، وربما سيكون عابرا للقارات بعد توجس الاوروبيين من الخطر الداهم؟! وهل التحالفات التي يسعون لاقامتها هي دليل جدي على صدق اقوالهم، ام ان في الامر غايات اخرى لا يفصحون عنها؟! وفي مسعاهم المثير لكل الشكوك عقدوا مؤخرا مؤتمرا في باريس لمكافحة الارهاب، وقبل ذلك عقدوا مؤتمرا في جدة بالسعودية لنفس الغرض، وقام وزير الخارجية الامريكية بجولة شرق اوسطية، اوصلته الى القاهرة ولقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي لاحتواء مصر في هذا التحالف المشبوه. لكن مصر لم تتورط ولن تتورط، رغم معسول الكلام عن حرب ضد الارهاب، وهي التي تقاتل الارهاب في سيناء منذ مدة غير قصيرة، وتتأهب لمواجهته في ليبيا التي اصبحت حاضنة لهذا الارهاب. ففي مصراته قاعدة التمركز والانطلاق لهؤلاء الارهابيين، وفي سبها في جنوب ليبيا هناك ثلاثة مراكز لتدريب المسلحين الارهابيين الوافدين من كل الاقطار. من حق مصر ان تنظر بالريبة والشك لمثل هذه الاحلاف الاستعمارية، وهي التي وقفت ايام جمال عبد الناصر، في خمسينات القرن الماضي، ضد الاحلاف الاستعمارية. حلف بغداد، وحلف المركز او حلف جنوب شرق آسيا، ومبدأ ايزنهاور. وحين تكون مصر خارج اطار هذا المسعى المحموم، فان ذلك يعطينا الامل بإمكانية وأد هذه المشاريع، اضافة الى عوامل اخرى مهمة. ومن المضحك انهم قالوا ان الحرب على داعش ستستغرق ثلاث سنوات. وكل التقديرات تقول إن هذا التنظيم الارهابي يمتلك في حدود (25) الف عنصر، فلماذا قرروا ان تكون المدة لمحاربته ثلاث سنوات تحديدا؟!
ان هذا الامر يعطينا الدليل على عدم جدية هذا التحالف المشبوه، فالهدف هو اغراق المنطقة في بحور الدم لأطول مدة ممكنة حتى يتم تغييب القضايا الرئيسية، وبضمنها القضية الفلسطينية، وكذلك لاستنزاف الثروات العربية في الخليج، لأن هذه الدول هي التي ستدفع فاتورة هذه الحرب، واجبارها على شراء السلاح المتكدس في المستودعات الغربية، والذي لا حاجة لهم به بحجة ان الخطر داهم، وهي المرشحة القادمة لسيطرة الارهابيين عليها. وسعيا لهذا الغرض، امرت الادارة الامريكية قطر بإبعاد بعض قياديي الاخوان من قطر، ارضاء للسعودية حتى يكتمل الكورس. واخطر ما في هذا التحالف انه قد يستهدف الجيش العربي السوري، من خلال القول بضرب داعش داخل سوريا. وهو ما عجزوا عن الوصول اليه طيلة اكثر من ثلاث سنوات. ولو كانوا جادين حقا في محاربة الارهاب، فلماذا التركيز على داعش واستثناء اخواتها الارهابية الاخرى، التي يطلقون عليها "المعارضة المعتدلة"، والطلب من السعودية تدريبها لنقلها الى سوريا، التي هي الهدف الرئيسي لهذا التحالف الاستعماري- الرجعي البغيض؟! ولماذا فعلوا كل ذلك بعيدا عن مجلس الامن، ودون التفاهم مع روسيا، والتعاون مع ايران والحكومة السورية؟! ومن قال ان الضربات الجوية هي القادرة على اخضاع داعش وغيرها من التنظيمات الارهابية، والطائرات بدون طيار توجه الضربات ومنذ سنوات لطالبان باكستان في وزيرستان ولكن دون جدوى. وكذلك الغارات الامريكية على القاعدة في اليمن، والتي اوصلت هذا البلد الى شفا حرب اهلية..!
وفي مقابل هذا الحشد الاستعماري المحموم، والمشاريع الشيطانية التي تدبر للمنطقة لإعادة ترسيمها من جديد خدمة لإسرائيل في الدرجة الاولى، فان هناك قوى حية تقف بالمرصاد لمواجهة هذه التحركات، ومحور المقاومة الممتد من لبنان حتى طهران، ومعه روسيا الاتحادية والصين، لن يسمحوا بتمرير هذا المخطط. وسيعمل هؤلاء الفرقاء على اجهاض هذا المخطط وافشاله، لان هذه الدول وشعوبها هي التي تقاتل الارهاب والإرهابيين على الارض. وهي التي تلحق بهم الهزائم المتوالية. والمطلوب هو العمل لتجفيف مصادر دعم هؤلاء الارهابيين ومنع دول الجوار من ايوائهم، وتوفير الملاذ الآمن لهم، والممر السالك لتوجهاتهم. وهذا يمكن ان يتم من خلال المزيد من ضرب عناصر الارهاب في سوريا والعراق ومصر وغيرها، ومن خلال اقامة تحالف آخر بديل من كل الدول المناهضة للإرهاب، لان هذا الارهاب العابر للقارات والحدود، اصبح خطرا على الجميع. فقد اعلن مؤخرا ايمن الظواهري عن قيام فرع للقاعدة في شبة القارة الهندية، وقد ينتقل غدا الى الصين. وقيام مثل هذا الحلف الحقيقي سيجبر الغرب والإدارة الأمريكية، والتابعين العرب، على اتخاذ موقف آخر.
ان الحرب على الارهاب ليست مهمة سهلة، وكذلك فان كل المعارك السابقة لم تكن سهلة، لكن الانتصار فيها ليس مستحيلا وانما هو ممكن وضروري وحتمي. وفي رأيي ان المنطقة برمتها تدخل الآن منعطفا خطيرا، وربما بالغ الخطورة. وهو تهديد وجودي، ولا مجال امام شعوب المنطقة إلا ان تقاتل دفاعا عن وجودها، ودفاعا عن حقها في العيش الحر الكريم. وهذا النوع من الاخطار المحدقة يمكن التعامل معه، وإزاحته، والانتصار النهائي عليه. وقد يتطلب الامر مزيدا من التضحيات، ولكن هذا هو قدر شعوبنا العربية ومن فرضت عليه خطى مشاها..!
