تجنيد المسّيحيين العرب: "المَغلوب مُولَع بتقليد الغالِب"

single

قضية واحدة: مظاهرة أمام سجن عتليت تضامنًا مع رافضي الخدمة العسكرية المعتقلين




يجب تطوير وتحديث آليّات مواجهة سياسة "فرِّق تسُد" وعدم السُّقوط بالرُّكود الرّوتيني الذي تتمتع به معظم القيادات والأحزاب العربية. ولا بُد من فتحِ قنواتٍ حوارية جَدَليَّة وثقافية مع من يَنوي التَجَنُّد، وليس التعامل معه كعَدو داخلي، فبهذا أيضًا نُحقق ما لا نشتهيه أو نبتغيه من نتائج "فرِّق تسُد". كما علينا منع شبابنا من التحوُّل إلى "ترساناتٍ طائفية" ستعمل أصلًا على خَصْي الرِّباط الاجتماعي بين أبناء الشعب الواحد. فالإسلام ليس "النووي الموقوت"، فالمسيحيون، بحسَبِهِ هُم أهل الكِتاب، الذي أوصى فيهم الرَّسول وبجدالهم بالتي هي أحسن، حيثُ لا فضلَ لعربيٍ على أعجَمي ولا لأبيض على أسود إلّا بالتقوى.
واليهود، ونحنُ العرب أقرب الناس نسبًا لهُم، والفلسطينيون خاصةً، جيرانهم في دولتِهِم العتيدة، ومنَّا من يُجاورهم ويُقاسمهم رغيف الخبز ويُشاركهم في النِّضال بمواجهة خصخصة حفنة الدواء وأماكن العمل والكرامة، نصبو معًا، سويةً، نحوَ التعايُش المُطلق، المُشتَّهى، تحت سقف الإنسانية بمفهومها الأُممي، بعيدًا عن الصِّراع السياسي والديني – الطائفي.
وإيَّانا "أسلَمة" القدس" أو "تَهويدها" أو "تنصيرها"، فأورشليم القدس (عَبرنة الاسم إلى جانب العربية من مُنطلق تعدُّدي) نور العالم ومهد الديانات.
قد تكون مُحاولة تجنيد المسيحيين العرب نابعًا من مقولة ابن خلدون الشَّهيرة "المَغلوب مُولََع بتقليد الغالِب"، حيثُ إنَّ المسيحيين المُجنَّدين باتوا يشعرون بالمغلوب على أمرهم، وارتباطهم بالغالِب وكأنها وسيلة قوة، رُغم أنَّ المسيحيين كانوا وما زالوا من رُوَّاد العمل الوطني الفلسطيني ومن بُناة أُسُس النِّضال الوطني والثقافي الفلسطيني.


* الحالة الإقليمية المُجاورة، آليَّة التجنيد الأولى*


 الشَتاء العربي العاصِف الذي ألَمَّ ببعض دول الجِوار لهُ التأثير الأكبر على سيرورة "هندسَة" فكرة انخراط المسيحيين بالخدمة العسكرية. إنَّ تسويق الاضطّهاد الديني – الواقعي – الذي يُعاني منهُ مسيحيو الشرق قد نجحَ نوعًا ما، في ظِلِّ هيمنة الأُصوليَّة الاسلاموية، التي تبتكِرُ إبداعاتٍ طائفيةً وتطهيرٍ إيمانِي تفوقُ الحِسَّ البَشَري،و التي طالت أيضًا المسلمين الرافضين للأُصوليَّة. إضافةً إلى "سياسة التجهيل  التي تُمارسُ ضدّنا كأقليةٍ عربيةٍ فلسطينية أصلانيَّة، وقد نكون نحنُ أنفسنا وكلاء هذه السياسة عندما نمتنع، ولَو سَهوًا، عن تثقيفِ ذاتِنا أولًا ومن ثمَّ مُحيطنا العائلي والاجتماعي. فلا يجوز قمع المُجنَّد اجتماعيًا، وهو والكثيرون من غير المُجنَّدين يفتقدون إلى وسائِل تُحافظ على الذّاكرة الجماعية، كقضية اقرث وبرعِم وحق العودة المُتوَّج بقرار محكمة العدل العُليا، عيلبون وشهداؤها الأبرار، كَنيستا معلول المُهجّرتان، حصَار المهد، أحداث كنيسة البشارة وعمليات دفع الثَّمن الدَوريَّة التي تُعاني منها أَديُرة القدس، الاعتداء على كنيسة الطابغة وتهديد المطران ماركتسو والقائمة تطول.
بمعنى، أنَّ التثقيف والاحتواء والحِوار الجَدّلي وضمان أدوات تُحافظ على الذاكرة الجماعية (كالكُتب، المقالات، أفلام قصيرة، إبداعات فنية مُختلفة ..) سيُقلل من منسوبِ التجنُّد، أمَّا مُقارعة المُجنَّدين أو من ينوي الالتحاق بالخدمة العسكرية أو نبذهم، سيرفُع من حالة التمسُّك بخطوتهم، وتحقيق رؤى "فرِّق تسُد" بحَل مُجتمعنا وخصيِ الرَّوابِط الاجتماعية.


* جهاز التعليم العربي، وسلخ الهويَّة والذاكرة الجماعية*


المنهاج المُخصص لجهاز التعليم العربي في المواضيع التي "تُصمِّم هوية الطالب" كالمدنيات، الأدب، التاريخ والجغرافيا، يعمل على تجريد الطالب من الانتماء القَومي والثقافي، وبناء طالب يتمتع بمفاهيم الليبرالية – الفردانية وأُسس حقوق المواطنة الفردية، وليس وِفق الحقوق الجماعية - القومية أيضًا. بمعنى، أنَّ سلخ الطالب عن هويته القومية سيؤدي حتمًا إلى الابتعاد عن ثوابتِ النِّضال، إضافة إلى ركاكة الوَعي الوطني. وهُنا السؤال الذي يُسأل، هل لنا الحق الكامِل بِتَكفيرِ المُجنَّد وطنيًا وطلاقهِ اجتماعيًا، ونحنُ (الأحزاب، المُتابعة، الجمعيات، المؤسسات وكل مُبشِّر بالالتزام الوطني) لا نُوفِّر البدائِل لنهج سلخ الهويَّة الأصلانيَّة والذاكرة الجماعيَّة؟
لا يُمكن التغافُل عن المحاولات الناجحة في صقل "عربي جديد" بواسطة الجهاز التَربوي، في حين أحزابنا و "مُتابعتهم" يُجيدون وببراعة البكاء عندَ أعالي الأطلال، وملء المواقع والصحف بالبيانات التي تُكفِّر المُجنَّد وطنيًا، دون طرح أُسس عمَل ممُنهجة بديلة.


* طابع الحركة الإسلامية وأسئلة مُثيرة*


 لا يُمكن التغاضي بأنَّ وجود مُركّب "سياسي" طائفي - فئوي، وان كان بهيئته على الأقل، يُسَبِِّب تفاقُم التجزيئية المُجتمعية ويَزيد من حِدَّة الخطاب الطائفي. فطابع الحركة الإسلامية بشقيّها ونهجها الخطابي الطائفي أصبح أداة مُبَرِّر للمُجنَّدين المسيحيين، الّذين هُم أصلًا "يتمتعون" بالتعصُّب الطائفي أيضًا. فلا يُمكن "أسلَمة" القضيَّة، أو "تَنصيرها"، وإنِّما علينا جميعًا التأكيد بأنَّ الصِّراع هو سياسي، وأنَّ نضالنا هو على حق البقاء والتطوُّر ونَيل العدالة التَّامة وتحقيق السَّلام العادل والشامِل. وأسأل، ما هو موقِف لجنة المُتابعة وأحزابها من بناء حزب مسيحي سياسي وطني؟ هل سيُمثَّل بلجنة المتابعة وهيئاتها (كالحركة الإسلامية بشقَّيها)؟ أَم سيتِم رفض تمثيلهِ ومحاربته تحت خانة "التشجيع على الطائفية"؟ بكلتا الحالتين لجنة المُتابعة لن تكون بقرارها مِثالية وشفَّافة، حيثُ وان قبِلَت تمثيل الحزب المسيحي الوطني، فهي تُشرعن التجزيئيَّة المُجتمعيَّة القاهِرة، وبأننا لسنا أقلية قومية تُناضل من أجلِ حقوقها القومية – الجماعية، وان رفضت تمثيله، فبأي حق الحركة الإسلامية أيضًا مُمثَّلة بهيئات المُتابعة؟ علينا أن ننتِصر لأنفُسنا كشعب مُتكافِل أولًا، والعمل على تمكين وحدة أبناء شعبنا أولًا، وتوعية شبابنا وتثقيفهم أولًا، وتطبيق مفاهيم التعدديَّة الداخلية أولًا، وقائمة "أولا" تطول، حيثُ إننا تلعثمنا ببناء كَيفِية سُلَّم أولوياتنا.


* الضّمان الاقتصادي*


"يتلعثم" الكثير من المُجنَّدين في مصيدة "الضّمان الاقتصادي" بعد الانتهاء من الخدمة. حيثُ إنه يتوقع أن تسير الأمور كما تشتهيها إرادته أو أفكاره المُسبقة حول العلاقة الطرديَّة القائمة بين التجنيد والضّمان الاقتصادي. يقع المُجنَّد، سهوًا، بهذهِ الواقعة، وذلك نتيجة هشاشة في القُدرَة بقراءة الواقع بموضوعية. لذلك، قد يكون الرِّهان على مِقدار وعي شبابنا، قابِلا للخسارة، لأن الأحزاب ولجنة المُتابعة يفتقدون إلى آليَّات توعيَّة وتواصليَّة مع هؤلاء الشباب، الذين يحلمون مُبكرًا بالضّمان الاقتصادي. وعادةً المُجنَّد لا يلتَحِق بالتعليم العالي والأكاديمية، ليبدأ مِشوار البحث عن ضمان اقتصادي، بعد اهتزاز حلمه الوَهمي بأن التجنيد هو الرُّكن الأساس للضّمان الاقتصادي.


* نشوة الفراغ التَوعَوي – الوطني*


يمتازُ مُجتمعنا في الآونةِ الأخيرة بوصولهِ إلى نشوة الفراغ التَوعَوي – الوطني، حيثُ إنَّ هذا الفراغ أحد نتائجه تفُكُك الرَّوابط الاجتماعية، إضافةً إلى تقَبُّل طرح التجنيد، وَلَو كفِكرة. ولا يُمكن " المغفرة " للأحزاب ولجنة المُتابعة، لأنَّ السَّبب الأساسي للوصول إلى نشوة الفراغ التوعوي – الوطني هو الخمول الذي امتازت به أحزابنا كافة، عدا "مهزلة" الخطاب الإقصائي، الذي يُبدِعه التجمع ضد الجبهة مثلًا، وقد يكون العكس صحيحًا، ولكن بأقل وتيرة وحِديَّة.
 قد يكون هذا العامِل "الضّمان الاقتصادي" بمثابة ضوء أحمر لبُناة الرؤى والأٌسس السياسية العتيدة، إن وُجِدوا أصلًا، المبنيَّة على قراءة الواقع بصورةٍ مهنية وموضوعية. فلا يُمكن التَّغني بوَعي شعبنا، "وكأن مواجهة التجنيد تكمُن فقط بمقدار وعي شعبنا"، دون استحداث الأدوات التَوعيويَّة، وبَلورة طرح وطني واجتماعي وثقافي بمقدورهِ أَن يُخاطِب الشباب.


 
* المُتابعة وخمول المُمانعة*


تمتازُ لجنة المتابعة (اللهمَّ لا حَسَد) بالخمول الإبداعي النِّضالي بكُل ما يتعلق بقضايا شعبنا الأساس. حيثُ أصبحت المُتفَوقَة الأولى بتنظيم التظاهرات أو المُظاهرات التي بدأت تأخذ صبغة وطابعًا دينيًا – فئويًا، يُقصي الآخر، الشريك بالنِّضال والوطن والمُستقبل. وان كانت الأسئلة مشروعة، أسأل، ما هي آليَّات المواجهة التي تمتلكها لجنة "المُعاتبة" بُغية عدم خَصيِ الرِّباط الاجتماعي الآخذ بالهَلاك؟ وما هي ماهية ومضامين الرؤى الحواريَّة والجدليَّة والوطنية والاجتماعية والاقتصادية التي تستنِدُ عليها اللجنة، إن وُجِدَت أصلًا، لمُحاولة التأثير، ولو البسيط، على منسوب التجنيد؟ وأكثر من ذلك، هل تملك اللجنة المُخصصة لمناهضة الخدمة المدنية والعسكرية برنامج عمل واضحًا، زخِم المفاهيم والمضامين، وفحوى شبابية تُخاطب الشباب بعوامل الحداثة والتكنولوجيا؟
إنَّ ركاكة الرؤية التي أغرقت أحزابنا، إضافةً إلى سدِّ القنوات الحواريَّة - الجدليَة الثقافية مع المُجنَّدين، أدَّت إلى " خمول المُمانعة "، حيثُ إنَّ القوقعة أصبحت إحدى أعمدة العمل السياسي الأساس في رؤى الأحزاب ولجنة المُتابعة.


* وأخيرًا*


إلى أخي أيًَّا كان، دون التَطرُّق إلى قوميتكَ وجنسيتكَ وديانتكَ وأيِّ شيءٍ تجزيئي – فِئَوي آخر، معًا نَبني غدًا يانع النقاء، دون بندقية وأباتشي وقنبلة غاز، دونَ طائرة ترصُد خطواتي المُهلكة، دونَ حاجز وبُرج مراقبة، دونَ عنصرية وطائفية وكراهية، دون احتقار ابتسامة طفل جائِع أو دُميَة طفلة، دون َ إرهاق دمع ثكلى، دونَ سَلاسل تَلتَفُّ حولَ يد أبٍ دافع عن زَّيتونهِ.



(الكاتب عضو جبهة الناصرة وطالب لقب ثانٍ في جامعة حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عَــصرُ اللعنـات الافتراضيَّــة

featured

من ذكريات شيوعي مخضرم

featured

واجب الساعة شن الحرب على القبح!

featured

لا استقرار بدون فلسطين!

featured

القِلَّة والكثرة

featured

المشروع القومي العربي..الى أين؟!

featured

عولمة العصر الحديث

featured

لعنة المظلوم على الظالم أكثر شرعية