لعنة المظلوم على الظالم أكثر شرعية

single

لاجئون سوريون في الاردن



لعنة الغضب، لعنة الإنسانية، باسم الشعوب والأمم المقهورة ولعنات الجوعى والأطفال واليتامى والبرد القارس، تنزل على ذلك الثالوث المعادي لتطلعات وأماني وحرية الشعوب، ذلك المثلث المشكّل من الامبريالية الأمريكية والأوروبية وحلفائها التاريخيين حكام إسرائيل والصهيونية وأعوانها في المنطقة، الرجعية العربية والحكام الفاسدين والمستبدين، الذين اجمعوا ثلاثتهم على خلق وافتعال المزيد من المشاكل والمرارة لدول وشعوب المنطقة وخاصة من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين وغيرهم.
فمآسي الشعوب والإنسانية هي ليست مآسيَ وصراعًا مع الطبيعة فقط، وإنما في أغلبيتها مآسي وصراع المصالح والتقاطع بين أقطاب السياسة والمال والنفوذ على من يحكم من ويسيطر وينهب أكثر من الآخر، وإبقاء الشعوب مغلوبة على أمرها وجعلها ضحية تدفع ثمن هذا الصراع والتنافس، الذي نتيجته الأولى تشريد وهلاك وتجويع مئات الألوف من البشر بين قتيل وجريح ومشرد في صحاري الانتظار على قارعة وتقاطع المصالح بين أطراف النزاع ومنظمات الأمم المتحدة لشؤون الإغاثة والإنسانية، إذ يشكل الشرق الأوسط إحدى أهم الساحات الاستراتيجية في ملتقى وتقاطع المصالح العالمية، ما بين الامبريالية الأمريكية الآخذة بزيادة العداء والتوحش والاستفراد بالشعوب عن طريق إذلالها وضربها مع بعض أو مع جيرانها، ومحاولات تفتيت وحدتها كي يسهل بلعها كما يحدث اليوم للشعبين السوري والعراقي على وجه الخصوص.
كاد الدم الأحمر يتجمد في شرايين عروقنا، نتيجة موجة البرد والزمهرير والعواصف الثلجية التي ضربت دول المنطقة في الأيام الأخيرة ومنها وطننا الغالي الذي ما زال ينزف ألمًا ودمًا وحربا وويلات ليس لها نهاية على مدار القرن العشرين ولغاية الآن. ونحن وقسم منا يعيش في بحبوحة الحياة اليومية بكل تعقيداتها المختلفة، في محاولة للتغلب على مصاعب الحياة والزمن التي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، كل واحد منا يحاول طرد الروتين والمعاناة والبحث في جوانب البيت والغرف، في الزوايا المظلمة الحالكة والشاحبة كسواد الليل الطويل، ليجد ملاذه الأخير بعد انقطاع نور الكهرباء عن البيت والشارع والحي والبلد والمنطقة بأكملها. تجد نفسك محاصرًا حصار المحارب الذي نوى على الركوع والاستسلام لمشيئة الواقع والظروف التي تفرض نفسها عليه، تسترق السمع قليلا، تسمع صفير الرياح التي تحاول قلع كل من يقف بطريقها، يشتد الغضب تنهمر دموع السماء إلى الأرض، يفيض المكان من حولك تتسرب دموع الخير والبركة وبهجة الحياة والسماء لتمتلئ الأرض ويعبَّأ فناء الدار وزقاق الحي حتى الساحات والبيوت والشوارع الخلفية والأمامية، لنصبح في برهة من الزمن والانتظار حين نتحول إلى مخلوق جديد على شكل إنسان لم يفقد إنسانيته وإنما يبحث عن ملاذه الأخير في محاولة النجاة من الطوفان قبل الهلاك فيه.
في الجانب الآخر من الحدود، وعلى مسافات قريبة في الشمال والشرق والجنوب، بينما يئن أطفال غزة وغيرهم من شدة البرد وغضب السماء. لم يهربوا من طائرات الاباتشي ولا من طائرات الـ اف 16 الأمريكية الصنع التي زرعت الموت في كل أنحاء قطاع غزة في تموز سنة 2014، لكن هذه المرة جاء الزائر الجديد في كانون الثاني 2015 بحلة بيضاء ليحذر ليس أطفال وأهالي غزة وفلسطين ومخيمات اللجوء القسري الفلسطيني والسوري والعراقي، وكافة مناطق الإقامة المؤقتة لكافة الشعوب والأمم والذي انزل المستعمرون الامبرياليون والصهيونيون والحكام الفاسدون غضبهم بحقهم إلى ان أصبحوا طعامًا لأسلحتهم الفتاكة وخدمًا لمخططاتهم الجهنمية العابرة للدول والقارات، وسوقا لتجارة الموت التي لا تنتهي في عالم التكنولوجيات والقتل، وإنما جاء الزائر الجديد للتحذير لمن اوجد وشارك ونفذ الجرائم المستباحة بحق هذه الشعوب التي تئن اليوم تحت سطوة الطبيعة والعواصف الثلجية من شدة البرد وفيضانات الأمطار.
ان الامبريالية الأمريكية وحكام إسرائيل وكلا من حكام السعودية وقطر وتركيا والسياسات الأوروبية، قد اوجدوا بسياساتهم التآمرية وقوة أموالهم ونفوذهم التقسيمي وتدخلهم ودعمهم المسلح لجهات تأتمر بإشارتهم على المضي قدمًا نحو تمزيق وحدة هذه الشعوب، وخلق مشكلات اجتماعية ومعيشية وزيادة عدد مخيمات النزوح التي يقال إنها أصبحت مخيمات الموت البطيء لساكنيها قسرًا، مرة تحت طائلة الحرب وسفك الدماء وعدم توفر الحد الأدنى من الشروط الإنسانية، ومرة تحت رحمة قوى الطبيعة والموت من شدة البرد ومياه الأمطار والفيضانات المتدفقة إلى أرضيات المخيم والمسكن، وتدني درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، تحت طائلة غضب الطبيعة. لقد زادت وتفاقمت مأساة اللاجئين والمشردين وزاد تعدادهم بسبب استمرار الحرب والعدوان على سوريا والعراق وللسنة الرابعة على التوالي، إلى ان أصبحوا يتجاوزون الملايين القليلة منتشرين على مساحة الشرق الأوسط وخاصة دول الجوار في لبنان وتركيا والأردن وغيرها، بينما أصبح هذا التواجد المتدفق بلا حدود يشكل مصدر إزعاج وقلق ويحمل في طياته أعباء سياسية واقتصادية واجتماعية لعدد من دول الجوار، فيما تنفض الدول المسببة والمسؤولة عن شن وصناعة الحروب والتدخل وترعى عمليات القتل والإجرام والإرهاب المنظم يديها ساعية إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية على حساب تفتيت وحدة السوريين والعراقيين والفلسطينيين واليمنيين والليبيين والأفغان وغيرهم.
مرت ستة أشهر ونيف على إنهاء العدوان الدموي الإسرائيلي على أهلنا في غزة، هذا العدوان الهمجي الذي خلف وراءه الخراب والدمار الواسع وعمق المآسي والويلات والكم الكبير من آلاف الشهداء، ومسح من على وجه الحياة والإنسانية مئات العائلات وألوفا مؤلفة من الجرحى والمصابين مع عاهات مستديمة مدى الحياة. وها هم سكان غزة وأطفالها يتعرضون اليوم لموجات البرد الشديد يلتحفون السماء ويفترشون الأرض المبللة بالأمطار والأوحال، إلى جانب تفشي الأوبئة والأمراض وقلة العناية الصحية التي تعاني ويلات الحصار الظالم، ولهذا فالعدو واحد سواء كان لأهالي غزة والفلسطينيين أو السوريين والعراقيين، لكافة الشعوب الساعية إلى الحرية والاستقلال، انهم الامبرياليون الأمريكيون وحلفاؤهم الأوروبيون والمسخ المدلل حكام إسرائيل وبعض خدامهم من الحكام العرب الساجدين لأسيادهم في ما وراء البحار.
ولهذا يسأل بحق السؤال الموضوعي، من المسؤول عن إعادة إعمار قطاع غزة، ولماذا يجري التأخير المقصود ومن المعرقل للبدء بالاعمار. وهل مؤتمر الاعمار والمانحين الذي عقد في القاهرة مؤخرًا ما زال بنفس الحرارة والجهود المبذولة في مرحلة ما بعد العدوان مباشرة، أم ان النوايا تراجعت لأهداف سياسية واستراتيجية بغية تشكيل ضغط سياسي وعقاب للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية على قضية إتمام المصالحة الوطنية التي ما زالت تعاني النواقص والخروقات. ان قضية الاعمار وأوضاع الفلسطينيين ومجمل اللاجئين من السوريين والعراقيين والأكراد وكلها موجودة في دول الجوار العربي، ما هي إلا قنبلة موقوتة يجري السمسرة عليها من قبل بعض الحكومات والأنظمة العميلة بغية زيادة الجروح النازفة في جسم الأمة والشعوب العربية، فيما يتجاهل الأمريكيون والأوروبيون وبعض الأطراف الدولية مشاكل المنطقة الحقيقية والتي أساسها حكام إسرائيل واستمرار الاحتلال وسياسات اليمين المتطرف ونتنياهو المستمر في تجاهل متطلبات شعوب المنطقة بالأمن والأمان وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة. ان خطر الانفجار هو خطر حقيقي قادم مع قدوم الأيام للمرحلة الاتية. فالحكمة يا صناع القرار وأصحاب الحل والربط في تحالف الثالوث، عليكم وقبل فوات الأوان إدراك ذلك والعمل على حل المشاكل وليس زيادتها، فاندلاع الحريق حتمًا سيأكل الأخضر واليابس وسيصل لهيب النيران إلى عتبات قصوركم، فانتبهوا إلى أين أنتم ذاهبون.



(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

البندقية سيدة الموقف في نهج حكام إسرائيل

featured

لا تراجع عن دولة فلسطين

featured

ومن المسخرة ما قتل!

featured

من الذي يمتلك العالم؟ (6-6)

featured

"عقاب" مرفوض للاجئين بغزّة

featured

لقطع دابر العنف في مدارسنا

featured

الإمبراطورية الأمريكية تسير نحو انهيار مفاجئ

featured

الفزع من العلمانية: فصل الدين عن الدولة