" لا يبقى في الوادي الا الحجارة "

single

حصلت  على نسخة من رواية الكاتب الجزائري الطاهر وطار  " اللاز "  من منشورات  صلاح الدين "   في شارع  صلاح الدين   في قلب القدس العربية  عام 1976 .  بدأت  قراءتها  في طريق عودتي   بالقطار من القدس الى حيفا    بعدما انهيت  امتحانات القبول  للجامعة هناك . انهيت قراءتها   بذات الليلة  التي امتدت   معي  حتى   علت  اشعة    الشمس  الفضية  وغمرتني كحالة   اللاز " الشعب الجزائري "  الذي لم تنصفه الثورة  الجزائرية الذي حلم بها وأبقته   وحيدا  في واد  غير ذي  زرع   لا يرى فيه الا حجارته . اما انا فسرقتني   شمس   الاشتراكية  الى احضانها الجميلة  وتهت  هناك   ما بين  اروقة العلم  والعيون الزرق   والقدود الممشوقة  التي بنت الاشتراكية . 
" اللاز  " حكاية شعب المليون شهيد وحكاية ثورة مجيدة  في تاريخ  العرب الحديث   ما كادت تولد  حتى وأدت  نفسها بنفسها .  " اللاز"   واترابه   اليساريون   ارادوها  ثورة  علمية علمانية  اقتصادية  اجتماعية شاملة  تقلب ظهر المجن  ليس فقط للاستعمار   بل  للرجعية والاصولية وبقايا الارستقراطية  الجزائرية  التي تآمرت  على الثورة  وقضت على جوهرها   وهي في بدايتها   حتى آلت الامور هناك الى ما آلت  إليه . تبخرت الثورة  وبقي حزب جبهة التحرير الوطنية  الذي ابتعد بدوره عن الجماهير  وعن الثورة العلمانية  ومبادئها   وبقي بؤرة  فساد  للبرجوازية " الوطنية "   التي تمتص دماء الشعب الجزائري   كما تمتص  بتروله  وثرواثه الطبيعية  الغنية .  بقي " المجاهدون "   الاصوليون  الذين لم يهدأ بالهم  حتى ارتوت  جماجمهم الفارغة  بدماء   مئات آلاف  الجزائريين البسطاء  من العمال والفلاحين   الذين حلموا بالثورة  شأنهم شأن   الشعوب  المغلوبة على امرها   في الارض  . ضاع الحلم من اياديهم  وتبخرت الثورة الزراعية  والصناعية   حتى خرج " اللاز "  يصيح من عدم الى عدم  راثيا الثورة   الوليدة  ورجالها واحلامها    صائحا  على الملأ  "  لا يبقى  في الوادي الا الحجارة " .  مصير ثورة الجزائر   يطابق تماما  مع  مصير  اختها  الكبرى  ثورة 23 يوليو الناصرية  التي  انهكتها الردة الساداتية    وسرقت  منها مقوماتها   ولم تبق ولم  تذر؟؟.
ملايين المصريين اميون   وملايين منهم  جائعون    حتى رغيف  الخبز  يبحثون عنه في الطاوبير   التي تدوم  ساعات وساعات  واحيانا اياما  واحيانا اخرى تنتهي بالعراك والدم وحتى الموت .ملايين  هناك يسكنون  المقابر ومدن الصفيح في القاهرة  والمحافظات . الريف المصري جائع   متروك ايضا بواد غير ذي زرع    ينتظر رحمة السماء  التي تجلب  له  فتات  الخبز  وبقايا الاطعمة   المعلبة  الفاسدة  مع رياح  هكسوسية  - عصرية  امريكية  - غربية  معولمة واستهلاكية  جشعة جاعلة  المواطن المصري  الاصيل  والاقدم  والاعرق  في التاريخ  والمواطن العربي  بصورة عامة  رقما استهلاكيا  لا حول له ولا قوة . اين النيل وهبة  مصر  ؟ اين السد العالي  وثورة الكهرباء والتصنيع  والتحديث  الذي وضعت اسسه وبداياته   الثورة الناصرية ؟ اين الامن الاستراتيجي المصري ؟  اين المد الثوري  القومي العربي  الذي ايقظ الشرق كله  في وقت   من الاوقات وخلق  ولو بداية لتحقيق حلم عربي  قومي يرفع  شأن الامة  قاطبة  ويضعها   في خانات  الامم الحية  التي تكافح  من اجل بقائها   على بقعة  من هذا  العالم  الصلد الذي لا يرحم؟.
هناك  مقولة ماركسية  تقول  "...   ليس ادراك الناس  هو  الذي يعين  معيشتهم  بل على العكس  معيشتهم  الاجتماعية  هي التي  تعين ادراكهم  ومع  تغيير الاساس  الاقتصادي  ينفتح  عهد الثورة  ويحدث الانقلاب " .
الاساس  الاقتصادي  لم يتغير   لا في مصر  ولا  في الجزائر . باب الثورة ما كاد ينفتح حتى   اغلقته  بسبعة اقفال  البرجوازية   المتنفذة   هنا وهناك   ومعها القطعان الباقية   من الارستقراطية   البائدة  التي بدأت تعود   الى مواقعها   في الجزائر وفي مصر  وخصوصا في الاخيرة   بعد ان نكثت  الثورة  بوعودها  وقضت الاحزاب  الحاكمة    هنا وهناك   على انجازاتها   واعادت  لاولئك  املاكهم واطيانهم    وقضت نهائيا   على الاصلاح الزراعي  ومن ثم  على الثورة الزراعية  بمفهومها الشامل والواسع  والتي بمقدورها   وحدها  مد رمق  الشعوب الجائعة الفقيرة  بلقمة العيش الكريمة  وعدم  بقائها  الى ابد الآبدين  رهينة  الجوع  ورهينة الاستعمار  منهكة غير قادرة   على تغيير   حياتها البسيطة،  فما بالك  بالثورة  على المفاهيم   نحو تحديث  مجتمعاتها   والوصول بها الى مصاف الدول القوية  في بداية القرن الحادي والعشرين . لا ننسى   في هذه العجالة  دور السلفيين  والاصوليين   والاخوان المسلمين   في العمل مع الدوائر الرأسمالية " و  " البرجوازية  الوطنية "   في القضاء  عل  هذه الثورات  ووأدها  وهي في بداياتها    للمحافظة  على المكتسبات الفئوية   التى قامت وتقوم الآن  على قمع الشعوب  واستغلالها  وابقائها عاجزة  خاملة  غير  قادرة  على مجرد التفكير  لتغيير حالها واحوالها. الجمود العقائدي   هو السد المنيع  الذي كبح  جموح  الشعوب في الجزائر وفي مصر   ومنع من الثورات الاقتصادية  والاجتماعية ان  تتحقق هناك .  نجاح الثورة يعني  القضاء على هذا الجمود  العقائدي الاصولي  ويعني ايضا  انبعاث الشعوب  وبعث افكارها   ويعني  قفزة ثورية حقيقية   تقلب المفاهيم كلها ربما رأسا على عقب .
ما حفزني  على كتابة  هذا المقال  أمران اثنان .
الاول -  قراءتي  مؤخرا لرواية جديدة  للطاهر وطار  الكاتب الجزائري اليساري الكبير  بعنوان "  العشق  والموت في الزمن الحراشي "  التي يعتبرها مؤلفها    تتمة لرواية " اللاز "   التي تصف   بحس ثوري  حقيقي متألم   كيف  تم  القضاء على الثورة هناك  وضياعها مع كل مكاسبها   بعد ان قضى حزب جبهة التحرير الحاكم  عليها  وأفرغها   من كل منجزاتها وقيمها .
الثاني -  هو الهوس الجماهيري   اللامسبوق  الذي انتاب وينتاب  في هذه الايام  الشعوب في الجزائر وفي مصر  مرافقا  مباريات كرة القدم  بينهما للوصول   الى  " مونديال "  جنوب افريقيا في العام القادم . تطورت الامور حتى اقتحمت  السفارات  وطالت يد  الجمهور العابث المصالح المشتركة بين الشعبين الشقيقين  وسببت في ازمة دبلوماسية حقيقية  وازمة  علاقات  بين الحكومتين  . نحن مع الرياضة بكافة  اشكالها  ونعتز  بوصول   العرب الى المونديال  ونفخر بل   نذوب  كرامة وغبطة   لو حصل  فريق عربي أيا كان  على بطولة العالم  في هذه اللعبة الجماهيرية .
هذا يرفع ولا شك معنوياتنا  نحن العرب في  كل مكان  ويشعرنا   على الاقل  بان لنا  موقع قدم   يزاحم  على أخذ مكانه   في هذا العالم المضطرب  الكبير  بعد ان غابت   منه الايديولوجيات   كلها وتبلورت واحدة  استهلاكية  معولمة   ضحلة مدمرة لثقافات  الشعوب  ولاقتصادها الوطني .  ما يحز في النفس   ان الانقلاب الاجتماعي  لم يحصل   بعد  في عالمنا العربي  وان هذه الشعوب  تواصل بالرغم عن انفها  ممارسة سياسة الفحل والقطيع   مع حكامها . لم  تجد بعد  ولو كوة منيرة واحدة لانطاقها من دياميسها  ومن دياجير ظلامها .
لو خرجت   هذه الجاهير في القاهرة وفي الجزائر العاصمة   ليلة قصف بغداد  تندد وتصرخ كما خرجت  ليلة لعبة القدم   لما حدث   ما حدث في العراق  الشقيق  الذي مازال  ينزف دما .  لو خرجت هذه الجماهير  دعما للشعب الفلسطيني   في احلك ايامه   التي عاشها ويعيشها  لما كان هذا العذاب   الفلسطيني المستمر  ولما  كان  لهذا المأساة الاطول في تاريخ الشعوب ان تدور وتدور . لا شك ان خروج هذه الجماهير المكبوتة  عشرات السنين  كان رغبة وحاجة في نفوس حكامها  في خلط الحابل بالنابل  القطري بالقومي والوطني بالرجعي  لتشد  هذه الجماهير المسلوبة الارادة  الى احلام  يقظة  تنسيها آلامها وكوابيسها  وتبعدها  عن  طريق خلاصها  الحقيقي  من العذاب السيزيفي  الى ابد الآبدين .
كأنني  ارى " لاز " الطاهر وطار  ماردا جبارا  قدمه اليمنى  على شاطئ النيل واليسرى على قمم الاوراس   صائحا  بهذه الجماهير التي فقدت بوصلتها
" لا يبقى في  الوادي  الا الحجارة " ...لا يصح الا  الصحيح  وليس امامكم الا الثورة  .. والثورة  ومن ثم  الثورة   حتى الوصول الى الفردوس المفقود.


(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الدجاجة المتديّنة

featured

ألاعيب أحزاب "الوسط"

featured

اﻹنفجار في قلعة الرجعية

featured

ناح النواح... والنواحة؟

featured

نتنياهو يهرب الى الانتخابات

featured

اِشربوا نخب " فالنتينو"

featured

حدث في تلك الأيام

featured

الولايات المتحدة تغامر وتقامر بمصير العالم !